
حقيقة التكليف ومراتبه
التكليف بين العوامّ والسالكين إلى الله تعالى
ما هو منشأُ الطاعة عند الملائكة والتمَرُّدِ عند إبليس في قصّة السجود لآدم عليه السلام؟ وكيف يختلف تكليف السالكين إلى الله عن تكاليف الناس العاديّين؟ وما هي خطورة الاستخفاف بأوامر الدين ومآل التهاون في الحفاظ على الحال الجيّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه ـ في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة ـ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ الكمال لا يتحقّق بمجرّد أداء الفرائض.
حقيقة التكليف ومراتبه
18جاء إلى سيّد الشهداء عليه السلام [وقال]: «يا أخي، لقد سئمت من الحياة!»، حيث جاء في وقت لم يبقَ فيه أحد من الأصحاب ومن أهل البيت؛ قُتِلَ جميع الإخوة، وقُتِلَ أولاد سيّد الشهداء، ولم يبقَ أحد آخر. قال سيّد الشهداء: «إذا ذهبت أنت، فعلى من أستند إذًا؟! إذا ذهبت أنت، سأفقد سَنَدي!» هذا عجيب جدًّا! لكنَّه أَلَحَّ وأصرّ. [فقال سيّد الشهداء]: «ما دام الأمر كذلك، فأحضر لهؤلاء الأطفال ماءً!»
أخذ أبو الفضل القِرْبَة اليابسة، وتحرّك نحو شريعة الفرات. بعد أن قاتل ذلك الجيش، وأُصيب بجروح في جسده، أُنهِكَ من العطش لدرجة أنَّه لدينا: عندما وصل إلى شريعة الفرات، مدَّ يده لاإراديًّا نحو الماء؛ أخذ الماء، «فَذَكَرَ عَطَشَ الْحُسَيْنِ؛۱ أي: فتذكّر عطش سيّد الشهداء!»، فسكبه. خاطب نفسه، وحدّثها: «عجبًا! أنت وصلت إلى ماء الفرات، والحسين ما يزال عطشانًا؟! هل تريد أن تبقى حيًّا بعد الحسين لتشرب الماء؟!».٢
ملأ القِرْبَة بالماء، وتحرّك نحو الخيام، لكنّ الأعداء فعلوا ما جعله يسقط عن الحصان إلى الأرض، بعد أن انقطع أمله!
لأمّ البنين أشعار في رثاء ولدها أبي الفضل، حيث يُقال إنّها كانت تقرأ هذه الأشعار في المدينة:
أُنْبِئْتُ عَنِ ابْنِي أُصِيبَ *** بِرَأْسِهِ مَقْطُوعَ يَدْ وَيْلي عَلَى شِبْلِي أَمَالَ *** بِرَأْسِهِ ضَرْبُ الْعَمَدْ لَوْ كَانَ سَيْفُكَ فِي يَدَيْكَ *** لَمَا دَنَا مِنْكَ أَحَدْ!٣ تقول:
«سمعت أنَّهم ضربوا رأس ولدي بالعمود الحديديّ؛ لم يكن أحد يجرؤ على فعل شيء كهذا بولدي!». ثمّ تقول في الجواب: «بلى، صحيح، صحيح؛ لقد جاؤوا أوّلاً، وقطعوا يديه! عندما أصبح بلا يدين؛ عندئذٍ، ضربوه بالعمود!»
يُقال: جاء سيّد الشهداء عليه السلام، وعندما وقع نظره على جسد أخيه، صاح: «الْآَنَ، واللهِ انْكَسَرَ ظَهْرِي وقَلَّتْ حِيلَتِي».٤
أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْقَوْمِ الظالِمِينَ! بِاسْمِكَ اللهُمَّ ونَدْعُوكَ ونُقْسِمُ عليكَ ونَرْجُوكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وأَهْلِ بَيْتِهِ الْأَطْهَارِ، يَا اللهُ!
اللهمّ اغفر لنا وارحمنا، ولا تتوفّنا قبل أن تغفر لنا! امحُ جميع جرائم أعمالنا! اللهمّ ثبّتنا واجعلنا ثابتين على صراط الأئمّة عليهم السلام! لا تحرمنا من زيارتهم في الدنيا ومن شفاعتهم في الآخرة! اللهمّ انصُر الإسلام والمسلمين، وأهلك الكفّار والمخالفين! اللهمّ اشفِ مرضى المسلمين، واغفر لموتاهم وارحمهم! عجّل في فرج إمامنا المهديّ عليه السلام! واجعلنا من منتظريه وأنصاره الحقيقيّين والواقعيّين! بِالنبيِّ وآلِهِ وعَجِّلِ اللهُمَّ فِي فَرَجِ مَوْلَانَا!
- نفس المهموم، ص ٣۰٦ و٣۰۷.
- مقتل الحسين عليه السلام (المقرّم)، ص ٢۸۱.
- نفس المهموم، ص ٥٩٩.
- راجع: مقتل الحسين عليه السلام، الخوارزميّ، ج ٢، ص ٣٤؛ ينابيع المودّة، ج ٣، ص ٦۷ و٦۸؛ بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ٤۱ و٤٢؛ مقتل الحسين عليه السلام، المقرّم، ص ٢۷٩ ـ ٢۸٢.
