
حقيقة التكليف ومراتبه
التكليف بين العوامّ والسالكين إلى الله تعالى
ما هو منشأُ الطاعة عند الملائكة والتمَرُّدِ عند إبليس في قصّة السجود لآدم عليه السلام؟ وكيف يختلف تكليف السالكين إلى الله عن تكاليف الناس العاديّين؟ وما هي خطورة الاستخفاف بأوامر الدين ومآل التهاون في الحفاظ على الحال الجيّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه ـ في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة ـ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ الكمال لا يتحقّق بمجرّد أداء الفرائض.
حقيقة التكليف ومراتبه
14أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله بالمحافظة على الحال الجيّد
كانوا يأتون إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله، ويقولون: «يا رسول الله، عندما نكون في محضرك، نُعرض عن الدنيا ولا نميل إليها. ولكن، بمجرّد أن نخرج، ونرى هذا وذاك، ونتلوّث بالدنيا، يزول ذلك الحال الذي كان لدينا في البداية!»، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «القضيّة هي هكذا إذًا! يجب أن تُحافظ على ذلك الحال!».۱
اگر درويش بر حالى بماندى *** دو دست از هر دو عالم برفشاندى ٢ يقول:
لو ثبت الدرويش على حالٍ واحد، لَنفض يديه من كلا العالمين
سِرُّ السعادة في حفظ الحال الجيّد في جميع مراحل الحياة
ذلك الحال هو حال الملائكة الذين وصلوا إلى مقام الفعليّة وهم دائمًا على حال واحد؛ ولكنَّ الإنسان دائمًا في حال تغيُّر. الحال الذي يحصل عليه الإنسان، يجب أن يحافظ عليه لنفسه. لذلك يقول الله تعالى هنا: إعادتكم إلى هذه الدنيا لا فائدة منها؛ فإذا رأيتم العذاب وتُبتُم، فلا فائدة بعد ذلك، وينتهي الأجل! لأنّه عندما ترون العذاب وتتوبون وتتراجعون، وتمرّ بضعة أيّام، تعودون إلى حالكم الأوّل! لن تتابعوا القضيّة ولن تسعوا فيها! لن تتنبّهوا ولن تعتبروا من تلك المسألة! تكونون جيّدين لبضعة أيّام، ثمّ تعودون!
منشأ شقاوة الإنسان في عدم حفظ الحال الجيّد
حالنا جميعًا هكذا! لذلك، يجب أن نكون حذرين جدًّا؛ فالأحوال لا تبقى ثابتة. الكثير من الأفراد الذين جاءوا إلى كربلاء وقتلوا سيّد الشهداء عليه السلام، كانوا في البداية أُناسًا صالحين، حيث كُتب في أحوال بعضهم أنَّهم كانوا يقفون في الصفّ الأوّل، ويصلّون خلف أمير المؤمنين عليه السلام! هؤلاء كانوا أفرادًا مع أمير المؤمنين في حربي الجمل وصفّين٣! القضيّة لا تبقى هكذا دائمًا، والمسألة لا تبقى على حال واحد دائمًا! لهذا، يُقال: يجب علينا دائمًا أن ندعو الله أن يُحسِن عاقبتنا. بالطبع، البعض يقول خلاف ذلك، حيث يقول الخواجة عبد الله [الأنصاريّ]: «إلهي، الجميع يخافون من النهاية، وأنا أخاف من البداية، وممّا كتبت لي فيها!»؛٤ ولكن على أيّ حال، المسألتان واحدة، ولا فَرْق كبيرًا بينهما.
- راجع: الكافي، ج ٢، ص ٤٢٤.
- الجلستان لسعدي (علي يف)، ص ۱٣٦:يقول: لو ثبت الدرويش على حالٍ واحد، لَنفض يديه من كلا العالمين.
اگر درویش بر حالی بماندی *** سرِ دست از دو عالم برفشاندی - كنموذج على ذلك، راجع: وقعة صفّين، ص ۱٩٥ ـ ۱٩۸؛ الفتوح، ج ٤، ص ٢۰۷؛ تاريخ الطبريّ، ج ٥، ص ٢۸؛ الكامل في التاريخ، ج ٤، ص ۱٤٤.
- مجموعة رسائل الخواجة عبد الله الأنصاريّ الفارسيّة، ج ٢، ص ٦٦٣:«الهی! همه از روز پسین میترسند و من از روز پیشین، همه میترسند که فردا چه خواهد بود، عبدالله میترسد که دی چه رفت».[يقول: إلهي، الجميع يخشون الأيّام القادمة، وأنا أخشى الأيّام السابقة؛ والجميع يخافون ممّا سيحدث في المستقبل، وعبد الله يخاف ممّا حدث في الماضي].
