
حقيقة التكليف ومراتبه
التكليف بين العوامّ والسالكين إلى الله تعالى
ما هو منشأُ الطاعة عند الملائكة والتمَرُّدِ عند إبليس في قصّة السجود لآدم عليه السلام؟ وكيف يختلف تكليف السالكين إلى الله عن تكاليف الناس العاديّين؟ وما هي خطورة الاستخفاف بأوامر الدين ومآل التهاون في الحفاظ على الحال الجيّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه ـ في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة ـ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ الكمال لا يتحقّق بمجرّد أداء الفرائض.
حقيقة التكليف ومراتبه
12عدم كفاية العلم لمنع التمَرُّد
يُخاطب الله اليهود في القرآن:
﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَينَٰهُمُ ٱلكِتَٰبَ يَعرِفُونَهُۥ كَمَا يَعرِفُونَ أَبنَآءَهُم﴾۱
أي: هؤلاء الأفراد (اليهود) الذين يُعارضون النبيّ، كانوا يعرفونه كما كانوا يعرفون أبناءهم.
هذا عجيب جدًّا! هل من الممكن ألاّ يعرف أحدٌ ابنه؟! هل من الممكن ألاّ يعرف أحدٌ ولده؟! إنَّ معرفة الإنسان بولده هي أكثر من بين جميع الأفراد على وجه الأرض؛ فهو دائمًا في مرآه ومَنْظَرِه. يُؤكِّد الله في هذه المسألة إلى هذا الحدّ، ويقول: كما كان هؤلاء اليهود يعرفون أبناءهم، كانوا يعرفون النبيّ؛ ولكنّهم لم يُذعنوا! ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنهُم لَيَكتُمُونَ ٱلحَقَّ وَهُم يَعلَمُونَ﴾٢؛ أي أنّ بعضهم يرون الحقّ ويكتمونه. العلم وحده لا يكفي؛ فإبليس أيضًا كان لديه علم بأنَّ أمر الله تعالى واجب الطاعة، ولكنّه لم يُنفّذه!
عدم قبول التوبة عند نزول العذاب وظهور علامات الموت
لذلك، فإنّ الآية القرآنيّة التي تتحدّث عن قصّة موسى وفرعون ليست دون حكمة ولا سبب؛ يقول تعالى في هذه الآية: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدرَكَهُ ٱلغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَت بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسرَٰٓءِيلَ﴾٣. عندما أوشك فرعون على الغرق، ورأى أنَّ القضيّة أصبحت جادّة، في هذه الأثناء قال: «آمنت بذلك الإله الذي آمنت به بنو إسرائيل!»
بعد ذلك، يأتي جبرائيل ويقول: ﴿ءَآلـَٰٔنَ وَقَد عَصَيتَ قَبلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلمُفسِدِينَ﴾٤؛ فيضرب فمه ببعض طين نهر النيل، ويقول: «الآن تؤمن؟! كنت تعصي من قبل؛ الآن أنت تؤمن؟!».٥
الآن، إذا أردنا أن نُفكّر في هذه القضيّة، ونقول: حسنًا، ما المانع أن يؤمن فرعون في ذلك الوقت؟! هل الله يُعاند أحدًا؟! الآن، فرعون يرى العذاب الإلهيّ، ويحصل له اليقين، ويُريد أن يؤمن؛ لماذا يقول الله تعالى: لا فائدة؟! لماذا يقول الله في القرآن الكريم أنَّ التوبة تكون ما لم يروا عذابنا؛ وعندما يرون عذابنا يُغلَق باب التوبة٦و۷وهل الله تعالى يُعاندنا؟ هل يتصرّف الله معنا على أساس الحسابات [ويقول]: «كنت تُذنب حتى الآن؛ ومن الآن فصاعدًا، على الرغم من أنَّ عينك قد انفتحت، إلاّ أنّني لن أقبل! عليك أن تتحمّل العواقب، كان عليك أن تتوب سابقًا»؟!
- سورة البقرة، الآية ۱٤٦.
- سورة البقرة، الآية ۱٤٦.
- سورة يونس، الآية ٩۰.
- سورة يونس، الآية ٩۱.
- راجع: تفسير القمّي، ج ۱، ص ٣۱٦ وج ٢، ص ۱٢٢.
- سورة غافر، الآيتان ۸٤ و۸٥.
- عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ٢، ص ۷۷:
«إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمَدَانِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرضَا عليه السلام: لِأَيِّ عِلَّةٍ أَغْرَقَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فِرْعَوْنَ وقَدْ آمَنَ بِهِ وأَقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ؟ قَالَ: "لِأَنَّهُ آمَنَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ، والْإِيمَانُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ وذَلِكَ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى فِي السلَفِ والْخَلَفِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾*، وقَالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾**؛ وهَكَذَا فِرْعَوْنُ لَمَّا ﴿أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾***، فَقِيلَ لَهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة﴾****"».
* سورة غافر، الآية ۸٥.
** سورة الأنعام، الآية ۱٥۸.
*** سورة يونس، الآية ٩۰.
**** سورة يونس، الآيتان ٩۱ و٩٢.
