
الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود
لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ما هي وظيفة المؤمن عندما يرى شخصًا يرتكب حرامًا ظاهرًا؟ وكيف نجمع بين الأمر الإلهيّ بالأمر بالمعروف وبين لزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحة؟ وهل كان أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمرًا تكوينيًّا مُجبِرًا أم أمرًا تشريعيًّا اختياريًّا؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن هذه التساؤلات، إضافة إلى طرحه لموضوعات قيّمة أخرى.
الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود
5فالآية تُصدر أمرًا وجوبيًّا: «يجب أن يكونوا». واللام (في ﴿وَلتَكُن﴾) تدلّ على الأمر الوجوبيّ.
كانت كلّ حركة سيّد الشهداء عليه السلام قائمةً على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر۱. ولدينا روايات كثيرة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث جاء في بعضها: «إنَّ أُمّة النبيّ تبقى في حياة وسعادة وفلاح ما دامت فريضتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودتين فيها؛ وعندما تُترك هاتان الفريضتان، تقع في الذلّ والهوان»٢. ولدينا الكثير من الروايات في هذا الصَدد؛ ومن ذلك الحديث عن الأمر بالمعروف بمراحله: المرحلة الأولى هي مرحلة الإشارة، والمرحلة الثانية هي مرحلة التصريح؛ وبعد ذلك، اعتزال الإنسان (لصاحب المنكر)؛ وبعدها، يتّخذ الإنسان الإجراء العمليّ، حتّى يصل إلى المراحل الأعلى والأصعب والأشدّ.٣ كلّ هذه هي أحكام وجوبيّة يجب على المسلم أن يُطبّقها، ويُنفّذها في حقّ إخوانه المؤمنين خلال حياته.٤ فماذا يحدث إذًا لهذه المسائل؟!
عدم اطّلاع الإنسان على الجوانب الباطنيّة لأعمال الأفراد
الحكم الذي كنّا بصدد بيانه حتّى هنا، وما أردنا الحديث عنه، هو السيرة العمليّة لكلّ فرد في مسيرته نحو التكامل والكمال. أمّا ما يجري في باطن هذا الفرد، وكيف هو طريقه إلى الله، فنحن لا نملك علمًا به، ولا نستطيع الوصول إلى هذا الجانب. على سبيل المثال، قد يرتكب إنسان فاسق المحرَّمات، لكن كيف هو باطنه؟ ما هي حالته وهو يرتكب هذا العمل الحرام؟ هل يرتكبه بناءً على السهو والمُسامحة والمُجاملة، أم بناءً على العناد؟ هل يرتكبه وهو عالم، أم يرتكبه وهو جاهل؟ هل اضطرّ إليه، أم هو مختار فيه؟ هذه هي الجوانب النفسيّة لعمل ما؛ ونحن لا نستطيع الاطّلاع عليها، إنّما ننظر إلى أنَّه يرتكب عملاً حرامًا، ولا ننظر إلى سبب ذلك! هل هي عادة، أم ليست عادة؟ هل بادر به ابتداءً، أم داوم على هذا العمل لمدّة طويلة؟ هل يرتكبه بناءً على الضرورة، أم لا؟
لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة والامتناع عن الحكم المُتسرِّع
بشكل عام، ما لم يطّلع الإنسان على خصوصيّات فعل شخص ما، لا يمكنه أن يحكم عليه. وعلى هذا الأساس، لدينا في الروايات: «يجب على المؤمن أن يَحمِل فعل أخيه المؤمن على الصحّة».٥ فعندما يرى منه ـ بحسب الظاهر ـ عملاً باطلاً، يجب أن يَحمِلَه على الصحّة؛ وإلّا فالفعل الجيّد لا يُحمَل على الصحّة! إذا رأى أنَّ الفعل قد تكرّر، وحصل عدّة مرّات، فعندئذٍ تختلف المسألة؛ وسأوضّح ذلك. لدينا في إحدى الروايات: «إذا حمل الإنسان فعل الأخ المؤمن على الصحّة سبعين مرّة، ولم يَحمِله على الصحّة في المرّة الحادية والسبعين، ففي إيمانه نقص».٦ ذلك لأنَّ الدوافع لارتكاب الفعل، والمقاصد والأهداف من الفعل، لا نهاية لها. نحن نرى فعلاً واحدًا فقط، ولكنّنا لا نعلم لأيّ سبب ارتُكب هذا الفعل؛ لهذا، تجدنا نأخذ الجانب الباطل منه، ونَحمِلُه على هذا المعنى الباطل. سمعت أحد الخطباء في طهران يقول: إنّه كان يخطب في مجلس، حيث كانت عادته أيضًا أنّه عندما يتحدّث، يتّجه فقط إلى جهة واحدة ولا ينظر إلى غيرها، فكان لا ينظر إلّا إلى جانب واحد؛ وفي أحد الأيام، كان أحدهم جالسًا بجانب منبر هذا الشيخ، ويستفيد من كلماته، فرأى أنَّ الجهة التي يُلقي نظره إليها هي نافذة الجار، وهناك امرأة تنظر من تلك النافذة إلى الخارج؛ ومن المؤكّد والواضح أنَّه ينظر إلى ذلك المكان! والمكان مناسب للنظر، ولا ينتبه إليه أحد آخر، والخطيب منشغل بالحديث و ...! وعندما أنهى حديثه، قال له: «يا سيّدي! منبر النبيّ... هذه الأمور... هذه المسائل؟! يجب على الإنسان أن يُراعي قليلاً؛ أن يُدقّق قليلاً!». فقال: «وماذا فعلت؟» فأجابه: «ماذا فعلت؟! لقد كنت تنظر إلى تلك المرأة لمدّة ساعة!». قال: «أيّة امرأة؟!». قال: «تلك المرأة التي كانت تنظر من النافذة لساعة كاملة، وكنت أراقبها!». قال: «عجبًا! إذًا أنت كنت تنظر إلى تلك المرأة لمدّة ساعة، لا أنا! أنت الذي كنت تنظر! حسنًا، تعال الآن، واجلس مكاني». فقام، وجلس في مكانه، وإذا به لم يرَ شيئًا! لأنَّ ذاك كان في زاوية تُظهر المرأة؛ أمّا زاوية هذا الشيخ الخطيب، فكانت مختلفة! لكنَّ ذلك الرجل كان يُحاسبه على ذلك بحُجّة أنَّه ينظر إلى هناك.
- مقتل الحسين عليه السلام، الخوارزميّ، ج ۱، ص ٢۷٣:
«... إنمّا خرجتُ لِطَلَبِ الإصلاحِ في أمَّةِ جَدّي محمّدٍ صلّى اللّه عليه وآلِه، أُريدُ أن آمُرَ بالمعروفِ وأنهىٰ عن المنكر ...». - تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ۱۸۱
«عن النبيّ صلّى الله علَيه وآله وسلّم، أنّه قالَ: لا يزالُ الناسُ بخَيرٍ ما أمَروا بالمَعروفِ ونَهَوا عن المُنكر وتَعاوَنوا على البرِّ والتقوى؛ فإذا لم يفعَلوا ذلك، نُزِعَت منهم البركاتُ، وسُلِّطَ بعضُهُم على بعضٍ، ولم يكن لهم ناصِرٌ في الأرضِ ولا في السماءِ». - راجع: وسائل الشيعة، ج ۱٦، ص ۱٣۱ ـ ۱٣٥؛ مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٤، ص ٢۸۰ و٢۸۱.
- لمزيد من الاطّلاع على مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطها ومراتبها، راجع: مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٤، ص ٢۷٦ ـ ٢۸٤.
- الكافي، ج ٢، ص ٣٦٢:
«عن أبي عبدِ اللهِ عليه السلام قالَ: قالَ أمير المؤمنين عليه السلام في كلامٍ لَه: "ضَع أمرَ أخيك على أحسَنِه حَتّى يأتيك ما يغلِبُك مِنه، ولا تَظُنَّنَّ بِكلمةٍ خَرَجَت مِن أخيك سوءًا وأنتَ تَجِدُ لها في الخيرِ مَحمِلاً"».
الخصال، ج ٢، ص ٦٢٢:
«[قالَ أمير المؤمنين عليه السلام:] اطلُب لِأخيك عُذرًا؛ فَإِن لَم تَجِد لَهُ عُذرًا، فالتَمِس لَهُ عُذرًا». - مصباح الشريعة، ص ۱۷٣:
«...إذا رَأيتُم أحَدَ إخوانِكم في خَصلَةٍ تَستَنكرونَها مِنهُ فَتَأوَّلوها سَبعينَ تَأويلاً؛ فإنِ اطمَأنَّت قلوبُكم على أحَدِها، وإلّا فَلوموا أنفُسَكم حَيثُ لَم تَعذِروهُ في خَصلَةٍ يستُرُها عليه سبعين [سَبعونَ] تَأويلاً فأنتُم أولى بالإنكارِ على أنفُسِكم مِنه.»
إحقاق الحق، ج ۱٩، ص ٥٢٥:
[قالَ الصادقُ عليه السلام:] إذا بَلَغَك عن أخيك ما تَكرَهُ، فاطلُب لَهُ العُذرَ إليٰ سَبعينَ عُذرًا، فَإن لَم تَجِد لهُ عُذرًا، فَقُل لِنَفسِك: لَعَلَّ لَهُ عُذرًا لا نَعرِفُه».
- مقتل الحسين عليه السلام، الخوارزميّ، ج ۱، ص ٢۷٣:
