
الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود
لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ما هي وظيفة المؤمن عندما يرى شخصًا يرتكب حرامًا ظاهرًا؟ وكيف نجمع بين الأمر الإلهيّ بالأمر بالمعروف وبين لزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحة؟ وهل كان أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمرًا تكوينيًّا مُجبِرًا أم أمرًا تشريعيًّا اختياريًّا؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن هذه التساؤلات، إضافة إلى طرحه لموضوعات قيّمة أخرى.
الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود
3النظرة الباطلة للبعض تجاه الحجّ
رأيت في رواية أنَّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله قال: «في آخر الزمان، يحجّ الناس لأجل التجارة»؛۱ أي يذهبون للتجارة ولجلب السلع. وهذا ما نراه الآن؛ إذ إنَّ كلَّ همّ واهتمام الحاجّ منذ لحظة تحرّكه هو: ماذا يحضر معه؟ هل يجلب تلك السلعة ويبيعها هنا؟ وكم سيستفيد ويجني من ذلك؟ وعندما يذهب إلى المدينة، وقبل أن يزور قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله، أوّل ما يقوم به هو (الذهاب إلى السوق)، أو أنّه يزور فقط من باب الاحترام (ورفع العتب)، فيزور زيارةً ناقصةً؛ ومن ثمّ، لا تراه إلاّ في الأسواق، حتّى تتحرّك السيّارة باتّجاه مكّة!
وعندما يذهب إلى مكّة أيضًا، يُريد أن يذهب بسرعة في الليلة الأولى ليُؤدّي الأعمال، ويخرج من هذا الإحرام "اللعين" الذي أرهقه! فلا يستطيع أن يصبر ساعتين ليبقى في ثوبي الإحرام! هذا الذي أقوله قد سمعته بنفسي! في تلك السفرة التي ذهبنا فيها إلى مكّة، سمعت من أحد هؤلاء الحجّاج يقول: «ألا يأتي هذا الشيخ ليأخذنا لنخرج من هذا الإحرام اللعين؟!».. إنّها مسألة صعبة جدًّا بالنسبة له!
رحم الله المرحوم الشيخ صدرا الأراكيّ، سمعت أنّه قد تُوفِّي. كان رجلاً مسنًّا، وكانت لديه أحوال خاصّة. في ذلك العام الذي تشرّفنا فيه بالذهاب إلى الحجّ، كان هو شيخ الحملة، وكان رجلاً مُسنًّا، وكان الانتقال من المدينة إلى مكّة صعبًا إلى حدّ ما، وخاصّةً بتلك السيّارات التي تكون جميعها مكشوفة وتتعرّض للشمس، حيث إنّ المسافة بين مكّة والمدينة حوالي ثمانين أو تسعين فرسخًا. في ذلك الوقت، كان يذهب الناس إلى الحج! تحرّكنا نحن تقريبًا قرب الظهر، ووصلنا إلى مكّة ليلاً حوالي الساعة العاشرة والنصف، والجميع مرهقون ومُتعبون، فقلنا: لننم ليلاً، ونستريح، وغدًا نذهب فنُؤدّي أعمال العمرة (الطواف والسعي والتقصير و ...). ولكنّ ذلك الجمع أصرّوا، وأجبروا ذلك الشيخ المسنّ على الإحلال من ثياب الإحرام تلك الليلة ليرتاحوا منها! حقًّا، لقد حزنت على حال ذلك المسكين الذي ذهب وهو في أيّ حال من الضعف! ومهما قال لهم: «والله لم تبقَ لديّ قوّة، والله لم يبق لديّ رمق»، لم يُؤثّر فيهم. ففي نهاية المطاف، ابقوا ليلة واحدة واستريحوا! ما هي مشكلتكم في النهاية؟! إنّهما مجرّد ثوبي إحرام على أجسادكم!
- تهذيب الأحكام، ج ٥، ص ٤٦٢:
«عن عبدِ اللهِ بنِ حَمّادِ الأنصاريّ، عن محمّدِ بنِ جعفرٍ عن أبيه عليه السلام، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم: يأتي على الناسِ زمانٌ يكونُ فيه حجُّ الملوك نُزهَةً وحجُّ الأغنياء تجارةً وحجُّ المساكينِ مسألةً».
تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۰٣ ـ ٣۰٦:
عن عبدِ اللهِ بن عبّاسٍ قال: حَجَجنا مع رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم حجّةَ الوداع... فقال: إنّ مِن أشراطِ القيامة... يا سلمانُ! وعندَها تَحُجُّ أغنياءُ أُمّتي للنُّزهةِ وتَحُجُّ أوساطُها للتجارةِ وتَحُجُّ فقراؤُهم للرياءِ والسمعة».
- تهذيب الأحكام، ج ٥، ص ٤٦٢:
