
الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود
لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ما هي وظيفة المؤمن عندما يرى شخصًا يرتكب حرامًا ظاهرًا؟ وكيف نجمع بين الأمر الإلهيّ بالأمر بالمعروف وبين لزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحة؟ وهل كان أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمرًا تكوينيًّا مُجبِرًا أم أمرًا تشريعيًّا اختياريًّا؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن هذه التساؤلات، إضافة إلى طرحه لموضوعات قيّمة أخرى.
الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود
12هداية الأنبياء للبشر ظاهرًا وباطنًا
لدينا في آية من القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلنَٰهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَآ إِلَيهِم فِعلَ ٱلخَيرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ﴾۱. هذه الآية تستدعي الكثير من التأمّل والتدقيق، وهي تُوضِّح كيفيّة ارتباط النبيّ بالذات الإلهيّة المقدّسة، بحيث من اقتران هذه الآية بالآيات الأخرى الدالّة على الوحي، تُحلّ قضيّة الأوامر التشريعيّة بكلّ سهولة ويُسر، ولا تبقى لدى الإنسان أيّة شُبهة.
تقول الآية الكريمة:
لقد جعلنا الأنبياء والرسل أئمّة وقادة إلى الصلاح والكمال، (و) هم يهدون بأمرنا.
يمكننا أن نفسّر هذا الأمر على نحوين:
المعنى الأوّل هو الأمر التشريعيّ؛ أي: بواسطة الأوامر التشريعيّة التي وضعناها في نفس ذلك النبيّ، فإنّه يُوضِّح للناس طريق الكمال والسعادة، ويُبيّن لهم الخير والصلاح؛ فهذا معنى!
وهناك معنى ثان دقيق ولطيف وظريف، وهو أنَّ هدايتهم تكون بواسطة مقام أمرنا لا مقام التشريع؛ أي: عندما يهدون الأمّة، يكون ذلك بواسطة الاستعانة بالباطن والاعتماد على مقام الأمر والدعم والعنايات التي تتوالى من قِبَل الله تعالى على نفس هذا الوليّ والنبيّ والرسول؛ فبواسطة تلك العنايات، يسوقون الناس نحو ذلك الكمال. وبناءً على ذلك، فإنّ زمام أعمال وسلوك ونفس كلّ فرد من الأمّة، هو بيد ذلك النبيّ والرسول نفسه الذي يقود هذا الزمام ويهديه إلى ذلك الكمال؛ هذا هو المعنى الثاني لـ ﴿يَهدُونَ بِأَمرِنَا﴾. والنكتة هنا هي: ﴿وَأَوحَينَآ إِلَيهِم فِعلَ ٱلخَيرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ﴾؛ أي: أوحينا إليهم فعل الخيرات والأمور الخيّرة!٢
معنى الوحي والأمر الإلهيّ للمخلوقات المختلفة
الوحي يعني نزول المصلحة ونزول معنىً من قِبَل الله تعالى؛ ولا فَرْق بعد ذلك في أيّ وعاء يقع هذا المعنى: سواء وقع في وعاء النبيّ أو في وعاء حيوان؛ وسواء وقع في وعاء النبيّ أو في وعاء أفراد من غير أُمّة النبيّ. فيحلّ معنىً من قِبَل الله تعالى على قلب الشخص ويُريه قضيّة ما؛ وعندما تُعرَض عليه تلك المسألة، يقوم بها. وبناءً على ذلك، معنى الوحي واحد سواءً تعلّق بالنحل أوبالنبيّ، وكلاهما يُصبح تشريعًا، لكنّ نوعهما يختلف!٣
معنى الوحي الإلهيّ في المخلوقات المختلفة
وهنا، تطُرح مسألة عجيبة جدًّا! إنَّ تلك الآية التي قلت قبل أيام إنّها من الآيات التي تُزلزل بدن الإنسان، وتفصل مفاصله، وتُسقطه أرضًا حقًّا، هي هذه الآية! القضيّة هنا هي أيضًا كذلك، [وبصورة أمر تكوينيّ]
- سورة الأنبياء، الآية ۷٣.
- أعلمُ أنّ المسألة صارت دقيقة ومعقّدة إلى حدّ ما، وأظنّ أنّ تحمّل الرفقاء بدأ ينفذ قليلاً! حسنًا، من عادتي أنّني أتطرّق دائًما ـ إلى جانب هذه المسائل العلميّة ـ إلى بعض المسائل الجانبيّة؛ لكن، رأيت أنّه إذا سعيت للحديث أكثر عن هذه المسائل، فلن أتمكّن من تتمّة الكلام عن الموضوع الأساس؛ ومن هنا، إذا دقّقتم قليلاً، سيكون بوسعنا تجاوز هذه المرحلة بسرعة؛ هذا، مع أنّ المسألة التي أتحدّث عنها تنفعنا نحن طلبة العلم بشكل أكبر. أجل، لقد سعيت ـ بمقدار وسعي ـ إلى تبسيط المسألة، حيث إنّ هذا الموضوع الذي أعرضه على مسامعكم استفدته من العظماء. وقد قلت في أحد الأيّام: «يا عزيزي، إنّ كلّ كلام حسن ذكرتُه لم أذكره من عندي؛ وكلّ كلام باطل قلتُه يرجع إليّ»؛ وهذا الموضوع أيضًا استفدته من العظماء، ولا يُنسب إليّ أنا.
- لمزبد من الاطّلاع، راجع: أفق وحي (فارسي)، ص ٢٤٦ ـ ٢٥٢.
