
الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود
لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ما هي وظيفة المؤمن عندما يرى شخصًا يرتكب حرامًا ظاهرًا؟ وكيف نجمع بين الأمر الإلهيّ بالأمر بالمعروف وبين لزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحة؟ وهل كان أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمرًا تكوينيًّا مُجبِرًا أم أمرًا تشريعيًّا اختياريًّا؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن هذه التساؤلات، إضافة إلى طرحه لموضوعات قيّمة أخرى.
الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود
10﴿إِنَّمَآ أَمرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾۱. بناءً على ذلك، فإنّ التأثيرات التي تتحقّق في عالم التكوين ـ سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة ـ هي من الأوامر الإلهيّة التكوينيّة. فهل كان الأمر كذلك بالنسبة للملائكة؟ أي، عندما يُخاطَب الملائكة: «اسجدوا لآدم»، هل وُجِدَ هذا السجود فيهم دفعة واحدة وتكوينًا؟!
إذا كان الأمر كذلك، سيبقى مجال للشيطان لأن يعترض، ويقول: «يا ربّ، أنت أجبرت الملائكة على السجود، وأوجدت السجود فيهم تكوينًا؛ حسنًا، كان بإمكانك أن تفعل معي الشيء نفسه. لماذا لم تفعل ذلك معي؟! هذا العمل الذي لم أقم به، كان مسألة تكوينيّة ولم أكن مختارًا في ذلك».
على سبيل المثال، إذا أراد الله تعالى من طائر أن يحمل خمسمائة كيلوغرام من الأثقال، فإنّه لن يستطيع. وحينئذ، إذا قال الله تعالى: «نحن وضعنا قوّة كهذه للحيوانات (كالجمل والفيل) لحمل خمسمائة كيلوغرام من الأثقال»، فما علاقة الطائر بذلك؟! سيقول هذا الطائر: «أعطني هذه القوّة أيضًا، وسأحمل خمسمائة كيلوغرام من الأثقال». أو إذا كلَّفنا الله بالطيران في السماء، فنحن لا نملك وسيلة لذلك.
هذه الأوامر هي أوامر تشريعيّة تترتّب على الأمور التكوينيّة؛ فعندما لا تكون الجهة التكوينيّة مجعولة فينا، فإنَّ الأوامر المترتّبة عليها ستكون أيضًا لغوًا وعبثًا، ولا يُمكن لله تعالى أن يأمرنا بمسألة لا تقع تحت قدرتنا، ولم يضع فينا أسبابها ووسائلها وأدواتها. بناءً على ذلك، الأمر الذي أمر الله تعالى به الملائكة: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَٰجِدِينَ﴾، يجب أن يكون تشريعيًّا؛ فعندما يأتي خطاب السجود للملائكة، يسجدون، وهذا لم يكن تكوينًا.
وحينئذ، فإنّ المسألة التي تُطرَح هنا هي: هل هناك في الأساس تشريع للملائكة أم لا؟! الإشكالات التي أوردوها هنا ناشئة من هذه القضيّة. هل هناك تشريع للملائكة؟ أي: هل أتى الله بشرع وأحكام ليكون الأمر هنا تشريعيًّا؟! الأوامر التشريعيّة هي كأمر الله تعالى لنا أن نصلّي، ونصوم، ونؤدّي الحجّ، ونتصدّق، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.. كلّ هذه أوامر تشريعيّة. ولدينا أيضًا نواهٍ تشريعيّة: لا تغتابوا، لا تقترفوا البهتان، لا تسرقوا، لا تشربوا الخمر، لا تقامروا، لا تغنّوا، واتركوا سائر المحرّمات؛ فكلّ هذه نواهٍ إلهيّة تشريعيّة.
- سورة يس، الآية ۸٢.
