
دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان
النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة
كيف كان التراب هو الأصل الأوّل لخلقة الإنسان؟ ما هي العلاقة بين اختلاف البشر في الخلقة وكمالهم؟ لماذا لا يمكن لأيّ أحد أن يجعل أعمال غيره الله مقياسًا لأعماله هو؟ ما هو دور الأنبياء والأولياء في توجيه الناس؟ ما هي حقيقة الوحي؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة العلامة السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات حول الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة والمزيد.
دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان
4كنتُ في وقتٍ من الأوقات أفكّرُ في مسألة تكوّن آدم، وكيف يمكن للتراب أن يتحوّل إلى مجرّد لا توجدُ بينه وبين المادّة أيّة علاقةٍ على الإطلاق! فالمادّة لها ثقل ووزن وجسم، أمّا المجرّد فليس كذلك؛ فليس له ثقلٌ ولا وزن، بل لو أصبح تجرّده تامًّا إلى حدٍّ ما، فلن تكون له حتّى صورة. إنّ المعاني المجرّدة التي تُفاض على الإنسان، ويصلُ إليها لاحقًا، هي أمورٌ لا يصادفُ فيها أيّة صورة. أي: إذا سألوك: «ماذا رأيت؟»، فلن تستطيعَ أن تُجيبَ على الإطلاق عمّا رأيت. فأقلّ شيء في هذه المسألة هو أن يكون لهذا المعنى المجرّد صورةٌ حتى تشرحَها، غير أنّه لا يملك أيّة صورةٍ بتاتًا.
أشعار ابن الفارض عن علمه الحضوريّ بحقائق العوالم الربّانيّة
لهذا، فإنّ ابن الفارض ـ وهو من أعاظمِ العرفاء المسلمين ومن أولياء الله، وخلاصةُ القول، إنّه يحتلّ مكانًا رفيعًا في هذه المسألة ـ يُعبّرُ عن هذه الأمور بالنحو التالي:
يَقولونَ لي: «صِفها فأنتَ بَوَصفِها *** خبيرٌ! أجَل عِندي بِأوصافِها عِلمُ. أي: يقولون لي: «صِف لي المعاني والحقائق التي رأيتها هناك»، فأُجيبُهم: «نعم، عِندي بِأوصافِها عِلمُ! أنا لديّ علمٌ وخبرةٌ! لقد ذهبتُ ورأيتُ! وأنا لا أدّعي ولا أُنكر».
فالمسألة واضحةٌ جدًّا. إنّه يعرضُها بكلّ جرأة وشجاعةٍ وعدم خوف، ويقول: نعم، لقد ذهبتُ وشاهدتُ، ومن أراد ذلك، فليتفضّل! فأنا لا أخفي شيئًا ولا أكتم المسألة عن أيّ أحد، كما لا أدّعي الباطل. نعم، عِندي بِأوصافِها عِلمُ. أنا لديّ خبر؛ فقد ذهبتُ ورأيتُ، فماذا تريدون الآن؟! يقولون: «اذكر لنا ما يدور هناك!» فيقول:
صَفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هَوا *** ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جِسمُ أي: هناك صفاءٌ ولطفٌ. لا يوجدُ هناك أيّ كدرٍ، ولا يوجدُ هناك أيّ غشّ. إنّه عالمُ صفاءٍ لطيفٍ بلغَ فيه الصفاءُ واللطفُ مرحلتهُ المطلقة، في حين أنّه لا يوجدُ هناك لا ماءٌ ولا هواءٌ.
فعلى الأرض، أينما تبحثُ عن الصفاء واللطف، فلا بدّ أن يكون هناك ماءٌ وهواءٌ وخُضرةٌ وشجرٌ؛ ولكنّ هذا الأمرَ غيرُ موجودٍ هناك. ففي ذلك العالم نورٌ، وليس هناك نارٌ تُضيءُ هذا النور، وفيه روحٌ، وليس هناك جسمٌ يحتضنُ تلك الروح.
