
دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان
النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة
كيف كان التراب هو الأصل الأوّل لخلقة الإنسان؟ ما هي العلاقة بين اختلاف البشر في الخلقة وكمالهم؟ لماذا لا يمكن لأيّ أحد أن يجعل أعمال غيره الله مقياسًا لأعماله هو؟ ما هو دور الأنبياء والأولياء في توجيه الناس؟ ما هي حقيقة الوحي؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة العلامة السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات حول الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة والمزيد.
دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان
3التراب هو أصل تكوّن نفس الإنسان المجرّدة
وعليه، يمكن أن تكون هذه الآية دليلاً على أنّ المادّة والتراب هما اللذان يتسبّبان في تكوّن نفس الإنسان؛ وهذا بخلافِ أولئك الأفراد والعلماء الذين يعتقدون أنّ حساب النفس يختلف عن حساب البدن. فهم يرون أنّ هناك جهتَين تتحرّكان في هذا العالم: جهة المادّة، وبموازاتها جهة المجرّدات. فجهة المادّة تسيرُ في طريقها، والمجرّدُ أيضًا يسير في طريقه. وهذا التراب الذي يتحوّل إلى غذاء، ويتحوّل في وجود الإنسان إلى نطفة، عندما يستقرّ في رحم الأمّ، يسيرُ في حالته المادّية. وحينما يبلغُ مرحلةً يستعدّ فيها لفيضان الروح عليه، تُفاض عليه الروح من قِبل الله تعالى ومن عالم المجرّدات.
نظرية ابن سينا في منشأ النفس المجرّدة ونقدها
وذلك ما يعتقد به المرحوم الشيخ الرئيس في قوله:
هَبَطَت إلَيكَ مِنَ المَحَلِّ الأرفَع *** وَرقاءُ ذاتِ تَعَزُّزٍ وتَمَنُّع۱. إنه يعتقد أن حساب المادّة مختلف عن حساب النفس والروح. فلكلٍّ منهما حسابه الخاصّ، فتأتي الروح من العالم الأعلى، ويستقرّ البدن في رحم الأمّ، ثمّ يلتقي هذان الاثنان، وتُعطى الحياة للجنين في رحم الأمّ.. هذا ما يعتقده هو. ولكنّ الأمرَ ليس كذلك، وحقيقة المسألة أنّنا لا نرى في هذا العالم شيئين باسم «المادّة» و«المجرّد»، ولا نشعرُ بوجود حقيقتين مختلفتين ومنفصلتين عن بعضهما البعض، بل هي حقيقة واحدة فقط؛ وهذه الحقيقة تتجلّى في أطوار وأشكال مختلفة، بحيث إذا قُدّر لتلك الحقيقة أن تظهر على هذه الصورة، فيجب أن تمرّ بأحوالٍ معيّنة، وإذا قُدّر لنفس الكيفيّة التي حصلت عليها تلك الحقيقة أن تعود إلى حالتها الأوّلية، فيجب أن تمرّ بأحوال وخصوصيّاتٍ أخرى.
توقّف إدراك بعض المسائل الفلسفيّة على الوجدان والشهود
لقد تذكّرتُ الآن هذه المسألة، وهي أنّ هذه الأمور التي ذكرها علماؤنا وأعاظمُ الحكماء والفلاسفة والمفكّرون المسلمون ـ رضوان الله عليهم جميعًا ـ في كتبهم وبيّنوها، هي مسائلٌ أوضحوها بالعقل والفكر والتدبّر وبتلك الخصوصيات التي حصلوا عليها من هنا وهناك. ولكن، حتّى تصبحَ هذه المسائل وجدانيّةً للإنسان، وحتّى يُحيطَ بها إحاطةً علميةً وعينيّةً كاملةً، فإنّها لا تُحلّ له على النحو الذي ينبغي؛ لهذا، نرى صدر المتألّهين رحمة الله تعالى عليه يقرنُ ـ في مختلف أجزاء كتابه ـ أبحاثَه البرهانيّة والفلسفيّة بالمكاشفات الوجدانيّة، ويقول: «هذه المسألة ثبتت لي بالمكاشفة» أو: «هذه القضيّة اتّضحت لي بعناية من الله تعالى»؛٢ أي إنّه لا يكتفي بالوصول إلى قضيّة ما عن طريق العقل فحسب، بل يبحثُ عن حقيقة هذه القضيّة.
- وفيات الأعيان، ج ٢، ص ۱٦۰، نقلاً عن أبي علي ابن سينا.
- راجع: الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ۸.
