
التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ
أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد
تتحدّث هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن حقيقة العبودية كسبيلٍ وحيدٍ للوصول إلى الله تعالى، كما أنها تُبيّن الأخطار المهلِكة التي تترتّب على العلم المجرّد عن التعبّد والنية الصالحة. فما الذي جعل إبليس يسقط من مقامه الرفيع رغم علمه وعبادته الطويلة؟ وكيف يمكن للمؤمن تجنّب هذه الأخطار؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها.
التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ
6تطابق الأوامر التشريعيّة الكاملة مع العالم التكويني
لهذا، فإنّ الأفراد الذين يقولون: «هناك فاصلةٌ بين الخَلق والأمر» هم مخطئون تمامًا؛ فلا يوجد أيّ فاصلٍ أصلاً بين الخَلق والأمر! فالموضوع المطروح اليوم هو: «ما المشكلة في أن يكون التكوين على أساسٍ ونهجٍ منفصل، وأن تكون أوامر الله ونواهيه وشرعه على أساسٍ منفصل، فلا تكون هناك علاقة بينهما؟!»؛ وهو نفس الكلام الذي يقوله الأشاعرة! يقولون: «لا بأس أن يأمر اللهُ الإنسانَ بالمستحيل؛ فالله قادرٌ مطلق، فهو يأمر، وحتّى عندما لا نستطيع أن نُنفّذ، فإنه يعاقبنا ويعذّبنا! فهو جبّار ويُمكنه فعل كلّ شيء، سواءً رضينا أم لم نرض!».۱
ردٌّ على من يرى عدم لزوم تطابق التشريع مع التكوين
يقول هؤلاء العلماء:
«عالم التكوين (عالم الخَلق) له حساباته الخاصّة به: فمن ناحية، خلق الله الإنسان على أساس شاكلة معيّنة، ووضع في نفسه مجموعة من الخصائص. ومن ناحية أخرى، تنتاب الله تعالى رغبةٌ، فيشرِّعُ الأوامر والنواهي؛ إذ تُراودُه رغبةٌ، [فيقول]: «يا هذا، صلِّ الصبحَ ركعتين، لا ثلاث ركعات؛ إنّها إرادتي!» لماذا؟! «هذا ليس شأنك! الأمرُ كذلك وحسب!».
ولكن المسألة هنا هي أنّ: كلّ شريعةٍ يجب أن تتطابق مع الحقيقة وتكون طريقًا لها. فلا يمكن أن يُكوّن الله تعالى وجودًا، وأن يتحقّق منه تكوينٌ، في حين، يكون الطريق الذي وضعه لهذا التكوين مخالفًا لشاكلته. والنتيجة التي تُستخلَص من كلامهم هي أنّه: على سبيل المثال، قد تكون هناك ـ من وجهة نظر التكوين ـ مصلحة تامّة للإنسان في شرب الخمر، ويكون مفيدًا لجسده وروحه، وتكون لديه علاقةٌ مفيدةٌ ومصلحةٌ مع شاكلته بأجمعها، ولكن يتعلّق به نهيٌ من الله تعالى، فيتوجّب علينا أن نتركه! فهذا هو الكلام الذي يقوله هؤلاء.
يقولون: «إنّ للوجود حساباته الخاصّة به. والقيمة المترتّبة على الأحكام مبنيّةٌ على الاعتبارات؛ فالله يأمر اليوم، وينهى غدًا. بمعنى أنّ نهيًا قد يكون في وقتٍ ما مجرّد إرضاء للمولى (لا لأنّ فيه مصلحة)، وفي وقتٍ آخر يكون سببًا لغضبه، ولا تكون له أيّ علاقة بوجود ذلك الشخص. وعلى العكس: من المحتمل أن تكون الصلاة مضرّةً للإنسان من جميع الجهات؛ أيّ أنّها في صميم الواقع وعالم التكوين مضرّةٌ للنفس والروح وخلايا الإنسان، ولكنّ الله تعالى رغب في إيجابها على الإنسان». هذا خطأٌ عظيمٌ جدًّا! يجب أن تتوافق الشريعة مع الحقيقة؛ فالشريعة هي طريق الحقيقة. إنّ من يصنع شيئًا، يُبيّن أيضًا طريقة استخدامه، فيقول: «عزيزي، اذهب من هذا الطريق، لا تذهب من ذاك؛ قم بهذا العمل، لا تقم بذاك؛ وإلاّ فإنّه سيتلف!».
- الإبانة عن أصول الديانة، الأشعريّ، ص ۱٣۸؛ اللمع في الردّ على أهل الزّيغ والبدع، الأشعريّ، ص ٩۸ ـ ۱۰۱؛ مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعريّ، ابن فورك، ص ۱۱۱؛ المطالب العالية، الفخر الرازيّ، ص ٣۰٥ ـ ٣۱٣؛ شرح المقاصد، التفتازانيّ، ج ٤، ص ٢٩٦؛ التمهيد، الباقلانيّ، ص ٢٩٤.
