
التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ
أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد
تتحدّث هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن حقيقة العبودية كسبيلٍ وحيدٍ للوصول إلى الله تعالى، كما أنها تُبيّن الأخطار المهلِكة التي تترتّب على العلم المجرّد عن التعبّد والنية الصالحة. فما الذي جعل إبليس يسقط من مقامه الرفيع رغم علمه وعبادته الطويلة؟ وكيف يمكن للمؤمن تجنّب هذه الأخطار؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها.
التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ
11حصر طريق السلوك في التعبّد والطاعة للأوامر
هنا، يجب علينا أن نجعل طريقنا طريقًا واحدًا؛ فما الطريق إلاّ التعبّد والطاعة. وهنا، لا يقبل الأمر أيّ جدالٍ أو استجواب؛ ومن يريد الجدال فليذهب إلى بيت خاله! فهذه الأحاديث لا مكان لها هنا!
إبليس، على الرغم من أنّه كان يمتلك العلم، إلا أنّه لم يستخدمه. كان يعلم أنّ الأوامر الإلهيّة قائمةٌ على أساس المصلحة، وأنّ هناك حقيقةً هنا، ولكنّ الهوى غلبه على الأمر [الإلهيّ]؛ فقد استعان بالمواهب الخفيّة التي وضعها الله في وجوده، وضرب بأمره تعالى عرض الحائط؛ تمرّد ولم يسجد. فقال له تعالى: «حسنًا! بما أنّك تمرّدت، فلا بدّ لي من القضاء عليك؛ فنحن نقضي على جميع المتمرّدين!». فقال: «لا! يا الله، أمهلني!».
فرأى الله تعالى أنّه قد خلق شيئًا عجيبًا! في رأيي، لم يجد أحدًا أفضل من الشيطان ليجعله حاجبًا وحارسًا لحضرته! حتّى جبرائيل لا يستطيع مقاومته! الشيطان قويٌّ جدًّا ومرتفعٌ إلى درجة أنّه لو وصل شخصٌ إلى مقام جبرائيل، فإنّ الشيطان سيأتي ويقف في طريقه، ويقول له: «لن أدعك ترتقي إلى الأعلى؟!».
إذا تذكرون، فقد قلت لكم قبل بضعة أيّام:۱ إنّ العمل الذي يقوم به الشيطان ليس أن يبتلي الناس بالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والغيبة، والافتراء؛ فهذه أعمالٌ عاديّةٌ يقوم بها الناس بأنفسهم! عمل الشيطان ومسؤوليّته هي أن يقف عند مقام جبرائيل، ويمنع أيّ شخصٍ يريد الصعود إلى الأعلى، ويقول: «إلى أين؟! لن أسمح لأيّ أحدٍ أن يتجاوز هذا المقام!». هذه هي المسألة!
إحاطة الشيطان بالجوانب النفسيّة للإنسان
من هو الذي يُبرّر ويُزيّن المسائل والجوانب النفسيّة التي تظهر للإنسان في المقامات؟ إنّه الشيطان! أمّا حبّ المال وحبّ المقام، فهذا للمراتب الدنيا؛ بل إنّ الحالات التي تظهر لنا في ذلك الموضع (أدنى أنانيّة، أدنى محاولة للحفاظ على المقام، وأدنى حُشاشة٢ متبقّية في وجودنا)، فإنّ الشيطان هو من يظهرها!
إذن، يتّضح أنّ الشيطان يصعد مع الإنسان؛ فالإنسان يصعد خطوةً واحدة، وهو أيضًا يقول: «أنا أيضًا أتيت!»، ثمّ نصعد أعلى، وهو أيضًا يقول: «أنا أيضًا أتيت!»، فنقول له باستمرار: «عزيزي، دعني وشأني!». فيقول: «لا! أينما كنتَ، أنا معك!». نستمرّ في الصعود، وهو أيضًا يأتي؛ نصل إلى مقام الملائكة الأدنى ونتجاوزهم، وهو أيضًا يأتي؛ حتى نصل إلى جبرائيل، وهو أيضًا يأتي! فما هذا المقام الذي وصل إليه بحيث تسنّى له التواجد في كلّ هذه المراحل! لكن، عندما نريد أن نتجاوز هذا المقام، يعلو صراخه ونحيبه: «يا للعار! لقد أفلتَ مني واحدٌ!».
- مباني الإسلام، سلسلة محاضرات الولاية التكوينيّة، المحاضرة السادسة.
- معجم مقاييس اللغة، ج ٢، ص ۱٢:
الحُشَاشَة: بقية النّفْس.
