
التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ
حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده
كيف يربّي الله وأولياؤه عبادهم؟ ولماذا قد تكون النعم الدنيويّة من مال وجاه علامة على غضب الله وإبعاده للعبد؟ وكيف أنّ اليقين القلبيّ هو المحرّك الحقيقيّ للطاعة؟ تجيبك هذه المحاضرة العرفانيّة، التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني، عن هذه الأسئلة وغيرها، كاشفة عن أسرار دقيقة في السير والسلوك إلى الله.
التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ
8كيفيّة التربية الباطنيّة لوليّ الله وإعداد النفس لظهور الله وتجلّيه فيها
ليس كلّ عملٍ صالحٍ هو عملٌ جيّد، وليس كلّ عملٍ صالحٍ هو عملٌ صحيح؛ يجب أن ترى هل ذلك العمل الصالح يزيد من نفسك أم ينقصها. العمل الصالح هو ما كان في سبيل رضا الله، لا أن تكون له صورةٌ حسنة ظاهريًا؛ فهذا لا يسمّى عملًا صالحًا. إنّ الخير والشرّ يتحقّقان في سياق رضاه والتقرّب إليه، لا على أساس الخيالات والأوهام...؛ هذه الأمور لا تعطي قيمة لعمل الإنسان! وحينئذٍ في هذا الصدد، ما إن يأتي الإنسان ويريد أن يأنس بالوحدة قليلاً، حتّى إذا رأوه قد أنس بالوحدة وجعلها قضيّة لنفسه، قائلًا: "أنا وحيد ولم يعد لي شأنٌ بأحد ولا أهتم بالجميع"، ما إن يقول هذا، حتّى يرمونه في وسط المعمعة ويقولون له: "الآن اذهب وقم بهذا العمل، واذهب مع هؤلاء ومع أولئك!". وما إن يذهب معهم، حتّى يسحبونه إلى الوراء قليلاً! تعالَ، تعالَ!
في فتح مكّة، كان قائد جيش الإسلام هو سعد بن عبّادة الأنصاري، فتقدّم وقال إنّنا سنسير مع النبيّ وجيش الإسلام ونأخذ مكّة ونضرب أهلها ونبيدهم، ونستأصلهم، ونسبي نساءهم، اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة؛ كانت شعاراته هكذا! مثل الشعارات التي نطلقها نحن الآن! ولكنّ النبيّ يختلف عنّا؛ فالنبيّ ليس أباكم فقط، بل هو أب للجميع، حتّى المشركين! إنّ قلب النبيّ يحترق على أبي سفيان بالقدر نفسه الذي يحترق فيه على زيد بن حارثة! لا فرق، ولكن أين الأذن الصاغية؟! أين العين المبصرة؟! أين القلب القابل؟! لا يوجد! حسنًا، كان قلبه يحترق، إلى أن اقترب من مكّة، فأرسل إليه النبيّ فجأة وقال: «أعطِ الراية لعليّ!». ثمّ علّم عليًّا عليه السلام أن يطلق هذه الشعارات: اليوم يوم المرحمة اليوم تحمى الحرمة وشعار السلم والمحبّة...۱! وفجأة رأى جيش الإسلام أن يا للعجب، لقد تغيّر القائد وتغيّر الشعار! يا للعجب، يبدو أنّ علينا أن نغمد سيوفنا، فالأوضاع مختلفة! جاء إلى مكّة وجعل بيت أبي سفيان آمنًا٢! هذا هو الفرق بين النبيّ وبيننا! هذا هو السبب في قولهم: «يجب أن تكون الحكومة بيد وليّ الله»؛ فوليّ الله لا يحمل حقدًا أو كراهية لأحد، فأشدّ أعدائه يصبحون أحبّ الناس إليه! لأنّ رؤيته هي رؤية الله، وينظر إلى الأفراد بنظرة إلهيّة؛ لا بنظر المصالح والمفاسد الشخصيّة، فهذه هي رؤيتنا نحن!
- المغازی، واقدی، ج ٢، ص ٨٢١؛ السیرة النبویة، ج ٢، ص ٤٠٦.
- المغازی، واقدی، ج ٢، ص ٨١٨؛ السیرة النبویّة، ج ٢، ص ٤٠٣؛ أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٥٥.
