
العرفان عقلانية أم انعزال؟
باب الولاية مفتوح في كل آن
هل العرفان دعوةٌ للعزلة عن المجتمع أم هو عين العقلانيّة والتوازن في التصدّي للمجتمع؟ ما هي أولويّة الإنسان في الحياة: بناء ذاته أم الانخراط في الشؤون العامّة؟ وهل باب الوصول إلى الله والاتصال بالوليّ الإلهيّ مفتوحٌ في زمن الغيبة؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة، وتبيّن أن اهتمام الفرد بذاته وتكامله الروحيّ هو أساس كلّ خير.
العرفان عقلانية أم انعزال؟
9لو عاش أهل الدنيا حياةً عقلانيّة، لأُغلقت أبواب الدنيا كلّها وانتهت القضيّة۱؛ فإمّا أن يصبح الجميع عاطلين عن العمل، أو يجب على الجميع أن يعملوا بالمعاول وتزداد مشاكل الحكومة، فيجب أن تجد عملاً وتضعه في أيديهم! هذه هي القضيّة!
مكانة الفرد والمجتمع في التعاليم الإسلاميّة ومدرسة العرفان
إذًا، فالعرفان هو عبارة عن التجرّد والكمال وإصلاح الفرد! يقول العرفان: يا عزيزي، كن بين الناس بمقدار الحدّ الأدنى، عش حياةً عقلانيّة قدر استطاعتك، والمقدار الذي لا تستطيع أن تبتعد فيه عنهم فاحتملهم ما استطعت، وبقدر ما تستطيع أن تبتعد ابتعد! من جهة، خصّص لنفسك وقتًا قدر ما تستطيع؛ ومن جهة أخرى، اعمل وفقًا للتعليمات! فقد يُقال لأحدهم: تفرّغ لشأنك الخاصّ! ويُقال لآخر: انخرط في المجتمع! ويُقال لثالث: ! ويُقال لرابع: اجلس في الخلف! ويُقال لخامس: اعمل وفقًا لتكليفك!
من قال إنّ العرفان دين تفرّدٍ وانعزال؟! هل كان هؤلاء الأعاظم في الدين كلّهم منعزلين؟! إذن، ماذا كان يفعل المرحوم القاضي هنا مع كلّ هؤلاء العلماء الذين كان كلّ واحدٍ منهم آيةً لنفسه؟! وماذا كان يفعل الآخوند الملا حسين قلي؟! هل تعرفون أحدًا أفضل وأكثر تأثيرًا من المرحوم العلّامة في الشأن الاجتماعيّ يأتي وينجز عملاً؟! لقد كان عمره كلّه وقفًا لهؤلاء الناس، وفي الوقت نفسه، كانت برامجه في أوقاتها ومنظّمة!
كان المرحوم العلّامة يقول: «لقد بسطنا المائدة للجميع، فمن الذي يأتي؟!».
جاءه أحدهم وقال: «سيّدنا، نحن نسلّم إلّا في هذه المسائل؛ ففي هذه المسائل لا شأن لنا بك!». فقال المرحوم العلامة: «شكرًا لك، في أمان الله!». حسنًا، ماذا يقولون؟! إذا كنتَ تسلّم، فلا يوجد شيء اسمه هذه المسائل وغير هذه المسائل! وجاء آخر وقال: «ألتزم بتوجيهاتك إليك إلّا في مسألة التقليد، فإنّي أقلّد فلانًا!». فقال: «كلّا، ليس الأمر كذلك؛ يجب أن تقلّد من أقوله أنا! انهض واذهب!». من الذي يأتي؟! من الذي يقبل؟!
إنّ مسلك العرفان لا يختصّ بفردٍ معيّن أو شخصٍ معيّن، وليس له عقيدة خاصّة وطريقٌ ومنهجٌ منفصلٌ عن عالم التكوين وعالم الفطرة؛ إنّه للجميع! لذلك، كان الأولياء والأعاظم، مع محافظتهم على المجتمع ومع أمرهم بمراعاة الارتباط بالناس، يذكّرون دائمًا بهذه المسألة المهمّة: «التفت إلى نفسك وكن حذرًا على نفسك، لا تقم بعملٍ يفوق طاقتك ويكون ممّا لا يُطاق، فتصبح قوّة تحمّلك وفكرك وخيالك وتركيزك عرضةً للاضطراب!». ضع ذلك نصب عينيك، ثمّ اذهب وقم ببقيّة الأعمال في حدود وسعك وطاقتك! وهو العمل الذي كان يفعله أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة عليهم السلام أنفسهم. قال الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ: «انهض واذهب الآن! فإنّ لديّ وردًا وذكرًا ويجب أن أنصرف إلى عملي! لقد نصحتك حتّى هنا، ومن الآن فصاعدًا انهض واهتمّ بعملك٢!
- تصنیف غرر الحکم و درر الکلم، ص ١٤٣: «قال امیرالمؤمنین علیه السّلام: ”لَو عَقَلَ أهلُ الدُّنیا لَخَرِبَتِ الدّنیا!“»
- بحار الأنوار، ج ١، ص ٢٢٦:
«قُم عَنّي یا أباعبدِاللَهِ، فَقَد نَصَحتُ لَکَ؛ و لا تُفسِد عَلَیَّ وِردي فإنّي امْرُؤٌ ضَنینٌ بِنَفسي!»
