
العرفان عقلانية أم انعزال؟
باب الولاية مفتوح في كل آن
هل العرفان دعوةٌ للعزلة عن المجتمع أم هو عين العقلانيّة والتوازن في التصدّي للمجتمع؟ ما هي أولويّة الإنسان في الحياة: بناء ذاته أم الانخراط في الشؤون العامّة؟ وهل باب الوصول إلى الله والاتصال بالوليّ الإلهيّ مفتوحٌ في زمن الغيبة؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة، وتبيّن أن اهتمام الفرد بذاته وتكامله الروحيّ هو أساس كلّ خير.
العرفان عقلانية أم انعزال؟
7الآن، حديثنا هو في هذا: لو كنّا عقلاء، ولم نكن من أهل العرفان والسلوك، وأردنا أن نقضي عمرنا في هذه الدنيا مع فردٍ يكون مفيدًا لنا من الناحية العلميّة، ومفيدًا لنا من حيث طريقة الحياة وأسلوبها، فهل كنّا سنعاشر أفراد هذا الزمان أم لا؟ أقول هذا بجدّيّة؛ ولنتحدّث بعقلانيّةٍ تامّة! لا علاقة لنا بالعرفان أصلاً، هل كنّا سنخالط أفراد هذا الزمان أم لا؟! تذهب وتجلس عند شخصٍ فيخبرك بسجلّ شخصٍ آخر ويهتك حرمته؛ فما معنى هذا؟! تذهب وتجلس مع جماعةٍ ليس حديثهم وذكرهم إلّا فوز فريقٍ على فريقٍ آخر، حسنًا جدًّا، تمضي ساعتان وثلاث ساعات، ذاك سدّد الكرة وهذا دخل فيه الهدف! هؤلاء هم الناس! الناس هكذا!
فهل يأمرنا عقلنا حقًا أن نعيش مع هؤلاء الناس؟! واللهِ لو كنتُ أنا ونفسي لذهبت وعشتُ في الصحراء! لأخذت قطعة أرضٍ زراعيّة وزرعتها، ولا يكون لي ارتباطٌ بهؤلاء الخلق! مع من؟ ومع أيّ شيءٍ؟ وبأيّ فكر؟! الله شاهدٌ أنّ هذه الدنيا كانت تضيق بي أحيانًا فأرى أنّ شخصًا واحدًا لا يفهم كلامي! يعني ننظر فنجد أنّ فلانًا حليق اللحية لا يفهم ويقول كلامًا خاطئًا، وفلانًا الكاسب لا يفهم ويسير في طريقٍ خاطئ، وفلانًا العالم المجتهد المرجع لا يفهم! فقلت: يا إلهي، ما هذا؟! هل العيب فيّ؟! فلماذا يقول الأعاظم هذا الكلام نفسه؟! يعني كانت الدنيا تضيق بي، يا إلهي، إنّك لم تجعل لي نديمًا يفهم كلامي! كيف يمكن للإنسان في مثل هذا الوضع أن يسير بحذرٍ شديدٍ في أيّ مجتمع؛ فيراقب لسانه، ويراقب خطوته، ويراقب كلامه، فلا يصطدم بهذا، ولا يصطدم بذاك و...! يا سيدي، كلّ الناس في هوى، وكلّ الناس في هوس، وكلّ الناس في شعارات۱! الجميع؛ من الألف إلى الياء! أين تجد عاقلاً؟! ذلك العاقل الذي يأتي ويعيش بمقتضى عقله! لا أقول سالكًا؛ فلنضع أولئك جانبًا! عاقلٌ يعيش بمقتضى العقل، يعيش بمقتضى المنطق، يكون ارتباطه على أساس العقل، تكون محاورته على أساس العقل، والخطوة التي يخطوها تكون على أساس العقل؛ فلا يكون الخيال في عمله، ولا يكون الهوى في عمله! إذن، فهو كذلك أيضًا، والعرفان يقول هذا أيضًا؛ يقول: يا سيدي، لا تحتكّ بالناس كثيرًا بلا فائدة، فإنّهم يضيّعون عمرك، ويهدرون وقتك، ولم تُعطَ أنت أيضًا سوى يومين من العمر المستعار، فإذا كان من المقرّر أن تقضيهما في هذه الأحاديث وهذه المسائل، فمتى يجب أن تذهب وراء القضيّة والحقيقة؟!
- تحف العقول، ص ٢٤٥: «[قال الحسین علیه السّلام:] ”النّاسُ عَبیدُ الدُّنیا و الدّینُ لَعقٌ عَلیٰ ألسِنَتِهِم، یَحوطونَهُ ما دَرَّت بِهِ مَعایِشُهُم؛ فَإذا مُحِّصوا بِالبَلاءِ قَلَّ الدَّیّانونَ!“»
