
باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه
الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران
لماذا باب الله مفتوحٌ دائمًا في الإسلام؟ وكيف حوّلتنا مظاهر الحضارة الزائفة من المساجد المزخرفة والمقابر المنمّقة عن ذكر الله والموت؟ وما هي الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة بنظر العرفاء؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وتبيّن معنى دوام الارتباط بالله.
باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه
4كنت أذهب كلّ عصر خميس لزيارة أهل القبور، وكنت أرى العلّامة الطباطبائي ـ رضوان الله عليه ـ يأتي إلى مقبرة «شيخان» هذه، فيطوف هناك حول القبور ويقرأ الفاتحة، ثمّ يذهب إلى جانب قبر حيث يوجد أقاربه فيقرأ الفاتحة، وبعد ذلك يجلس في زاويةٍ لمدّة ربع ساعة، ثمّ يقوم وينصرف. لذلك، ورد عندنا حتّى أنّه: «عندما تذهبون إلى المقبرة، لا تقرأوا القرآن فقط، بل اذهبوا واجلسوا وتأمّلوا وتفكّروا!».
يصل خبرٌ إلى أمير المؤمنين عليه السلام بأنّ أحد أصحابه قد توفّي، ثمّ يصل خبرٌ جديدٌ بأنّه لا، لم يتوفّ، وهو حيٌّ وعلى قيد الحياة؛ فيكتب إليه الإمام رسالةً: لقد سمعنا في الخبر الأوّل أنّك قد توفّيت، وفي الخبر الثاني سمعنا أنّك لم تتوفّ وأنّك على قيد الحياة؛ فافترض أنّ الله قد أخذك والآن قد رجعت مرّةً أخرى، فماذا ستفعل في هذه الدنيا الآن۱؟!
حقًّا، فلينظر الإنسان ماذا يفعل؟! إنّهم يقولون لنا هذا بجدّ! وأنا أقوله بجدّ! أنا نفسي هكذا. جدًّا، لو قيل لنا إنّنا لن نعيش أكثر من شهرٍ واحد، أي مثلًا لو قيل لنا: «رَأس الشَهرِ الثّانی ستَموتُ!» فهل سندع في هذه المدّة، مدّة الشهر الواحد، دقيقةً واحدةً من عمرنا تذهب هباءً؟! حتّى دقيقةً واحدة؟! هذا لأنّ الوقت ضيّقٌ ومحدود! هذا هو الواقع، يعني عندما نسمع حقًّا خبرًا صادقًا مصدَّقًا بأنّكم لن تعيشوا أكثر من شهرٍ واحد، فهل من الممكن أن نفعل هذه الأعمال التي نفعلها؟!
ما هو الضمان بأنّنا سنبقى على قيد الحياة؟! جدًّا، لقد وجدتُ هذه القضيّة في نفسي بعد ارتحال المرحوم العلّامة! ففي النهاية، هناك بعض الأمور التي يعلمها الإنسان ولكنّه لا يجدها في نفسه، ووجدانه غائبٌ عنها.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام كثيرًا: كلّنا على يقينٍ بأنّنا سنموت، أي إنّه واضحٌ كوضوح هذا النهار بأنّنا سنرحل عن الدنيا، ولكنّنا لسنا في حال وجدانٍ لذلك؛ يجب أن نجد القضيّة في أنفسنا٢!
بعد هذه الحادثة، وجدتُ هذا الجانب في نفسي، وهو أنّ المسألة لا مجاملة فيها على الإطلاق! ورغم أنّنا أكثر لا مبالاةً من هذه الأمور بكثير، إلا أنّني في اللحظات التي تمرّ عليّ الآن، لا أملك أيّ أملٍ في أن أكون حيًّا غدًا! أي إنّني الآن قد وجدتُ هذا في نفسي! لا شيء؛ وليكن ما يكون! إن شاء الله، لدينا في تلك الدنيا من يحمينا، فالنبيّ وأهل بيته عليهم السلام موجودون وسيفعلون شيئًا؛ وإلا فإنّ أوضاعنا سيّئة!
- السرائر، ج ٣، ص ٦٣٤: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عليهالسلام: بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليهالسلام مَوْتُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ جَاءَهُ خَبَرٌ آخَرُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَتَانَا خَبَرٌ ارْتَاعَ لَهُ إِخْوَانُكَ ثُمَّ جَاءَ تَكْذِيبُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَأَنْعَمَ ذَلِكَ أَنْ سُرِرْنَا وَإِنَّ السُّرُورَ وَشِيكُ الِانْقِطَاعِ مَبْلَغُهُ عَمَّا قَلِيلٍ تَصْدِيقُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَهَلْ أَنْتَ كَائِنٌ كَرَجُلٍ قَدْ ذَاقَ الْمَوْتَ وَعَايَنَ مَا بَعْدَهُ فَسَأَلَ الرَّجْعَةَ فَأَسْعَفَ بِطَلِبَتِهِ فَهُوَ مُتَأَهِّبٌ دَائِبٌ يَنْقُلُ مَا سَرَّهُ مِنْ مَالِهِ إِلَى دَارِ قَرَارِهِ لَا يَرَى أَنَّ لَهُ مَالاً غَيْرَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَمْ يَزَالا دَائِبَيْنِ فِي نَقْصِ الْأَعْمَارِ وَإِنْفَادِ الْأَمْوَالِ وَطَيِّ الْآجَالِ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ قَدْ صَبَّحَا عاداً وَثَمُودَ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً فَأَصْبَحُوا قَدْ وَرَدُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَقَدِمُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ غَضَّانِ جَدِيدَانِ لَا تُبْلِيهِمَا مَا مَرَّا بِهِ مُسْتَعِدَّانِ لِمَنْ بَقِيَ بِمِثْلِ مَا أَصَابَا بِهِ مَنْ مَضَى وَاعْلَمْ إِنَّمَا أَنْتَ نَظِيرُ إِخْوَانِكَ وَأَشْبَاهِكَ مَثَلُكَ كَمَثَلِ الْجَسَدِ قَدْ نُزِعَتْ قُوَّتُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا حُشَاشَةُ نَفْسِهِ يَنْتَظِرُ الدَّاعِيَ فَنَعُوذُ بِاللهِ مِمَّا نَعِظُ بِهِ ثُمَّ نَقْصُرُ عَنْهُ.
- تحف العقول، ص ٣٦٤:
«قالَ [أمیرُالمؤمنین] علیه السّلام: ”و لَم یَخلُقِ اللهُ یَقینًا لا شَك فيهِ أشبَهَ بِشَك لا یَقينَ فيهِ، مِنَ المَوت.“»
