
باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه
الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران
لماذا باب الله مفتوحٌ دائمًا في الإسلام؟ وكيف حوّلتنا مظاهر الحضارة الزائفة من المساجد المزخرفة والمقابر المنمّقة عن ذكر الله والموت؟ وما هي الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة بنظر العرفاء؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وتبيّن معنى دوام الارتباط بالله.
باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه
10أرأيتم عندما تحبّون شخصًا وتعشقونه، يكون دائمًا في ذهنكم! حقًّا الأمر كذلك؛ تأكلون الطعام وهو في الذهن، تريدون النوم فهو حتمًا في الذهن، تريدون الصلاة فهو في الذهن، تدرسون وهو في الذهن، لأنّه الأنس! يقول الله: ﴿أَشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ فليكن ذكركم أشدّ! واذكروني أكثر!.
فعندما تفيضون من عرفات، اذكروني أكثر؛ لا أن يقول، كما قال ذلك السيد: «لنجلس في عرفات وندخّن النارجيلة لنصف ساعة، ليصدق علينا الوقوف في عرفات، وأكثر من هذا لا يطلبون منّا!». إنّ تدخين الغليون والنارجيلة لا يتعلّق بعرفات، بل هو لمكانٍ آخر! يجب أن يكون الإنسان في ذكر الله في كلّ مكان!
مطابقة العبادة لظروف المكلّف وعدم انحصارها بزمانٍ أو مكانٍ خاصّ
لذلك، لا يوجد في الإسلام مكانٌ مخصّصٌ للعبادة؛ «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»۱. يمكنك أن تصلّي هنا، ويمكنك أن تصلّي في الساحة، ويمكنك أن تصلّي في المنزل، ويمكنك أن تصلّي في البستان، ويمكنك أن تصلّي في الصحراء، وعندما تكونون فوق الجبل يمكنكم أن تصلّوا، وأنتم تتحرّكون في الطائرة، عندما يؤذّن، صلّوا هناك ولا تنتظروا الهبوط، هناك في الطائرة نفسها، بمجرّد أن يقول: الله أكبر! اذهبوا وقفوا جانبًا وصلّوا صلاتكم؛ هذا هو الواجب الآن، وهذه الحركة في الطائرة لا تخلّ بالصلاة.
إذا كنتم على ظهر بعيرٍ وتتحرّكون ولا يمكنكم النزول، فيجب عليكم أن تصلّوا في بداية الأمر هناك٢! فلو وصلتم إلى المنزل بعد عشر دقائق، تسقط عنكم الصلاة ولا يلزمكم قضاؤها مرّةً أخرى، فواجبكم في ذلك الوقت كان الصلاة على الراحلة وهي تكفي ولا قضاء لها؛ لا يوجد حدٌّ في هذا الأمر، إلا في حالةٍ واحدة وهي إذا لم يجد الإنسان ماءً، فيجب عليه أن يتفحّص ويبحث عن الماء٣! حتّى لو كان الإنسان مريضًا الآن ويعلم أنّه سيشفى بعد ساعة، ووقت الصلاة قد حان، فيجب عليه أن يصلّي الآن جالسًا وصلاته صحيحة، لا أن ينتظر؛ فالصلاة التي طلبها الشارع منّي الآن هي هذه، وهذه الصلاة هي الصلاة الصحيحة السليمة.
كلّ موضوعٍ له حكمه الخاصّ به. الصلاة الصحيحة ليست هي الصلاة في حال القيام، بل هي الصلاة المطابقة لظروف المكلَّف؛ تلك هي التي تسمّى صلاة، ولو علم أنّ الظروف ستتغيّر بعد ساعة، فليكن، أنا الآن في هذه الظروف أصلّي، وأنا الآن أصلّي بالتيمّم، وإن كنت أعلم أنّني سأصل إلى الماء بعد ساعة، فلا يلزم الإنسان أن ينتظر وعليه أن يصلّي الآن. إلى هذا الحدّ قد وُسِّع في الشرع! «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
- الأمالی، شیخ صدوق، ص ٢١٦. امام شناسی، ج ١٠، ص ٢٦٨
- المحاسن، ج ٢، ص ٣٧٣؛ الكافي، ج ٣، ص ٤٤٠؛ الجعفریات، ص ٤٧.
- الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا علیه السّلام، ص ٨٩.
