
كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟
لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟
كيف تتحقّق المعرفة الحقيقيّة بالله تعالى؟ ولماذا يجب التسليم المطلق لأولياء الله، وكيف أنّهم أعلمُ بنا من أنفسنا؟ وما هو سرّ أوامرهم التي قد تبدو غريبة؟ تُجيب هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني، عن هذه الأسئلة العميقة، كاشفةً عن أنّ طريق المعرفة الوحيد هو الفناء في الذات الإلهيّة، وهو ما يفسّر المقام التكوينيّ للوليّ.
كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟
7أي لو أنّ الله ـ الذي جانبه الولائيّ هو جانبٌ عِلّيٌّ ـ نزل وتنزّل في هذا العالم، لقال الكلام نفسه! ألم يقل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾۱؟! فماذا يعني أقرب من حبل الوريد؟!
ما معنى أقرب من حبل الوريد؟
حبل الوريد يعني عرق الحياة؛ أي من صفة "الحيّ" التي تتّصفون بها، نحن أقرب إليكم من تلك الصّفة. وعندما تكون الصّفة نفسها لك، فما هو الأقرب من تلك الصّفة؟ إنّها الذّات نفسها! أي أنا ذاتك، وهذه الصّفة عارضةٌ على تلك الذّات. هذا هو معنى الأقربيّة! وعندما تصبح الذّات نفسها هي هو، تصبح الصّفات من باب أولى صفاته؛ والآن، يمكن لهذا الإنسان أن يأمر وينهى بأن افعل هذا ولا تفعل ذاك!
مقام الولاية يعني الاتّحاد والمعيّة مع كلّ عالم الوجود
لذلك، فإنّ من يدخل مقام الولاية ويطوي المراتب، فإنّ إحدى المراتب التي يطويها هي الاتّحاد والمعيّة مع كلّ عالم الوجود. أي في المرتبة الأولى ـ وطبعًا ليس هناك مرتبة أولى وأخيرة، فالأمر يختلف باختلاف سنخيّة نوع سير كلّ شخص ـ يُقيم اتّحادًا مع جميع الجمادات؛ فلو سألته: ما حقيقة الكبريت؟ لبيّن لك أنّه كذا وكذا؛ لا أنّه ينظر في سجلٍّ ما أو مثلاً في الجفر الكبير والجفر الصّغير والجامعة وأمثال ذلك، وهذه الأمور التي يفسّرها العلماء، وأنّه كتابٌ مكتوبٌ على جلد غزال يفتحه ويضرب الرّمل وهذه الأمور، وينظر هناك فيرى ما هي خواصّ الكبريت المكتوبة فيقول: أيّها النّاس، الكبريت كذا! لا، بل يرى الكبريت نفسه في وجوده ويبيّنه، يرى الحديد نفسه في وجوده ويخبر عنه.
عندما يقول ذلك الرجل: يا عليّ «جَلَّ مُحصيهِ!» أي سبحان الذي يحصي عدد هذا النّمل! يقول الإمام عليه السلام: «إنّي أُحصي عَدَدَهُم وأعلَمُ الذَّكرَ مِنهُم والأُنثىٰ!»٢، يقول الإمام عليه السلام لك: سأقول لك ما هو أعلى من ذلك؛ أصلاً أنا هو النّملة التي تتحدّث معك، أنا هو الأسد الذي يكلّمك، أنا هو الجمل الذي يتحدّث معك، أنا هو الزّرافة التي تتحدّث معك، أنا هو سمكة البحر التي تتحدّث معك؛ أنا هو عالم الوجود الذي يخبر عن عالم الوجود!
- سورة ق (٥۰)، الآية ۱٦
- تأويل الآيات الظاهرة، ص ٤٧٩؛ البرهان في تفسير القرآن، ج ٤، ص ٥٦٩:
«و هوَ ما رَواهُ الشّيخُ أبوجَعفَرٍ الطّوسي ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ ذَكرَهُ في كتابِهِ مِصباحِ الأنوارِ، قالَ: و مِن عَجائِبِ آياتِهِ و مُعجِزاتِهِ ما رَواهُ أبوذَرٍّ الغِفارِي، قالَ: كنتُ سائِرًا في أغراضٍ مَعَ أميرِالمُؤمِنينَ عليه السّلام إذ مَرَرنا بِوادٍ و نَمله كالسَّيلِ السّارِي! فَذَهَلتُ مِمّا رَأيتُ فَقُلتُ: اللهُ أكبَرُ، جَلَّ مُحصيهِ!
فَقالَ أميرُالمُؤمِنينَ عليه السّلام: ”لا تَقُل ذَلك يا أباذَرٍّ؛ و لَكن قُل: جَلَّ باريهِ! فَوَالَّذِي صَوَّرَك إنّي أُحصي عَدَدَهُم وأعلَمُ الذَّكرَ مِنهُم والأُنثىٰ، بِإذنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ!“»
