
أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى
العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة
تتناول هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ مفهوم النجاة والفلاح وعلاقتهما بالعلم واليقين، موضّحةً أن النجاة الحقيقيّة تكمن في التوحيد الأفعالي ّورؤية الله سبحانه كمؤثّر وحيد في الوجود، حيث يتطرّق سماحته إلى مراتب العلم، ويستشهد بقصص عن العلماء والعرفاء لبيان أنّ العارف يرى كلّ قدرة وجمال وولاية مظهرًا لقدرة الله، حتّى في أفعال العاصين (من حيث التكوين لا التشريع). كما يبحث أيضًا عن مقام الجمع بين التكوين والتشريع كسمة للعرفان الأصيل.
أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى
9على فرض أنّ رسول الله قال: «سنفتح مكّة هذا العام»؛ حسنًا، حصل "بداء"! هل الكلام الذي يقوله رسول الله من عنده أم من الله؟! الله تعالى يقول: لا أريد! الآن يقول: أريد، وبعد قليل، يقول: لا أريد! من ذا الذي يحقّ له الكلام؟!
يقول: سنفتح مكّة هذا العام، ثمّ يقول: حصل بداء، فاذهبوا إلى العام القادم! هل يتكلّم رسول الله من نفسه أم عن الله؟! إذا كان لا يتحدّث من نفسه، فعلى من نعترض؟! وهل يرد أيّ اعتراض على رسول الله؟!
يا حضرة عمر، أنت تعلم أنّ رسول الله لا ينطق عن نفسه، والله تعالى هو الذي قال ذلك! هذا، مع أنّ النبيّ قال [ما معناه]: «لم أقل هذا العام»؛۱ ولكن، على فرض أنّه قال: «هذا العام»، فإنّه لم يقل ذلك من نفسه، بل عن الله، فما علاقة رسول الله بذلك؟! ولماذا تعترض عليه؟! ولماذا تخالف؟! ولماذا تؤذي؟! ولماذا تتمرّد؟!
كلّ هذا لأنّنا نتجاهل هذه القدرة وهذه الولاية، ونذهب لذلك الجانب من القضيّة! فلماذا لا نلتفت إلى هذا الجانب؟!
إذا كان فعل الإمام حجّة، فسمعًا وطاعة! فعلى فرض أنّ الشيطان والدنيا كلّها فعلوا هذا الفعل؛ فليفعلوه! أنا أنظر للإمام، ولا أنظر للبقية؛ فليذهب البقيّة لحال سبيلهم! أليس البقيّة يتنفسّون؟! وحينئذ، إذا كان عمر يتنفسّ، أ فهل يجب ألاّ تتنفّس أنت؟! ولأنّ عمر يأكل، أ فهل يجب ألاّ آكل؟! ولأنّ فلانًا يأكل الخبز والريحان، فينبغي ألاّ آكلهما؟! ولأنّ عمر يأكل الشعير والخلّ، فيتعيّن ألاّ آكلهما؟!
يا هذا، انظر إلى عليّ عليه السلام الذي يأكل الشعير والخلّ؛ لماذا تنظر لعمر؟! هذه هي "وحدة الرؤية"؛ أي: أن يُركّز الإنسان كلّ ذهنه في نقطة واحدة وهي "نقطة الولاية"، ويترك ما سواها! وحينئذٍ، يرى الإنسان فعل عمر وأبي بكر في نفس ولاية عليّ!
أولياء الله مُجرون لمشيئة الله تعالى
يبدأ أمير المؤمنين عليه السلام بإركاب السيّدة الزهراء عليها السلام على الدابّة ويدور بها [على الأنصار]؛٢ لكنّه في الباطن يُجري مشيئة الله!
فمن بين من كان حول أمير المؤمنين، كان هناك شخص واحد فقط كان هادئًا، والبقيّة يضجّون؛ فكان أبو ذرّ والمقداد وعمّار و ... يصرخون، وسلمان فقط كان يضحك! هو الوحيد الذي كان يعلم أنّ كلّ ما يجري هو بسببه عليه السلام! ويعلم أنّ الأمر بيده [تكوينًا]، لا أنّه راضٍ بما يجري [تشريعًا]! فهو يقول: «أنا أُنفّذ مشيئة الله في هذا العالم، وإن كان الأمر عليّ مُرًّا!».
- تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۱٢.
- الإمامة والسياسة، ج ۱، ص ٢٩.
