
أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى
العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة
تتناول هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ مفهوم النجاة والفلاح وعلاقتهما بالعلم واليقين، موضّحةً أن النجاة الحقيقيّة تكمن في التوحيد الأفعالي ّورؤية الله سبحانه كمؤثّر وحيد في الوجود، حيث يتطرّق سماحته إلى مراتب العلم، ويستشهد بقصص عن العلماء والعرفاء لبيان أنّ العارف يرى كلّ قدرة وجمال وولاية مظهرًا لقدرة الله، حتّى في أفعال العاصين (من حيث التكوين لا التشريع). كما يبحث أيضًا عن مقام الجمع بين التكوين والتشريع كسمة للعرفان الأصيل.
أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى
3أمّا العلم فليس كذلك؛ فالعلم يعني انكشاف الواقع للإنسان، وحينما ينكشف الواقع، لا معنى للخلاف حينئذٍ. فعادةً، تورث الطرق ـ التي نسلكها في هذه الدنيا للوصول إلى الواقع ـ في الإنسان حالة "القطع" لا "العلم". فالعلم قليل التحقّق لدينا، والغالب هو القطع. وحتّى لو حصل القطع، فإنّه لا يحمل صفة العلم إلاّ في موارد نادرة جدًّا نصل فيها إلى العلم. طبعًا، القطع حجّة، وذلك لعدم وجود فرق أو امتياز نراه وجدانًا ونفسيًّا بينه وبين العلم؛ ولهذا، فإنّ القطع حجّة واتّباعه واجب. فإذا حصل لشخصٍ علمٌ بالواقع، فلا يمكنه مخالفته؛ هذا صعب جدًا. نعم، إن جاء هوى النفس، وقطع الطريق أمام الإنسان، فهذا أمر آخر. وهناك مرتبة أعلى من العلم وهي مرتبة "الاطمئنان"؛ ومرتبة الاطمئنان تعني أن تسكن نفس الإنسان وتركن إلى المسألة. وهذا يحصل لمن انقلبت نفسه، وتحوّلت، ووصلت إلى حقيقة ما؛ فحينئذٍ، لا معنى للمخالفة، وذلك المقام هو مقام الاطمئنان.
نماذج من الناجين وأهل الجهل
النجاة تعني أن يخرج الإنسان من الشرك ومن الرؤية المزدوجة، وأن يعبر من الأثر ليصل إلى المؤثّر، ومن المسبّب ليصل إلى السبب، ومن المجاز ليعبر إلى الحقيقة؛ هذه هي "النجاة". وإذا صار الإنسان كذلك، تُصبح كلّ ابتلاءات الدنيا بلا معنى عنده.
كان المرحوم السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ رضوان الله عليه يقول مرارًا للمرحوم العلاّمة:
يا سيّد محمد حسين، من لا عرفان له، لا دنيا له ولا آخرة! إنّك تراني على هذه الحالة، لكنّني مسرور!۱
كانت حالته الصحية غير جيّدة أبدًا؛ فقد كان يُعاني من "البروستاتا" وأجرى عمليّة، وكان طريح الفراش، وابتُلي ابنه بمشكلة وتراكمت عليه الديون؛ وبالجملة، كانت الهجمات تأتيه من كل حدب وصوب؛ ومن ناحية أخرى، إذا تقرّر أن يُبتلى الإنسان ـ لا قدّر الله تعالى لأيّ أحد ـ بالعتاب داخل المنزل، فإنّها مصيبة لا يُمكن فعل أيّ شيء حيالها! ومع ذلك، التفت إلى المرحوم العلاّمة، وقال: «يا سيّد محمد حسين، من لا عرفان له، لا دنيا له ولا آخرة! تراني [على ما بي]، وأنا مسرور!».
- معرفة المعاد، ج ٩، ص ٦۷؛ مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٢، ص ۱٩؛ الشمس المنيرة، ص ٤٥.
