
أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى
العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة
تتناول هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ مفهوم النجاة والفلاح وعلاقتهما بالعلم واليقين، موضّحةً أن النجاة الحقيقيّة تكمن في التوحيد الأفعالي ّورؤية الله سبحانه كمؤثّر وحيد في الوجود، حيث يتطرّق سماحته إلى مراتب العلم، ويستشهد بقصص عن العلماء والعرفاء لبيان أنّ العارف يرى كلّ قدرة وجمال وولاية مظهرًا لقدرة الله، حتّى في أفعال العاصين (من حيث التكوين لا التشريع). كما يبحث أيضًا عن مقام الجمع بين التكوين والتشريع كسمة للعرفان الأصيل.
أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى
11وحينما يكون مجرى لمشيئته تعالى، فإنّه لا يُفرّق في إجراء هذه المشيئة بين معاوية وبين نفسه، فيقول: معاوية يجب أن يترأّس، وأنا لا! فيُحارب ثمانية عشر شهرًا، ويقضي ليلة الهرير، ويتعرّض ببدنه للسهام والجراح، ويُقتل أصحابه، فيُقتل أويس القرنيّ، ويُقتل عمّار... وكلّ هذا محفوظ في محله؛ وفي النهاية، تنتهي الأمور لصالح معاوية ويعود للكوفة،۱ ويقول: أهلاً بكم جميعًا! ثمّ يظهر الخوارج، فينهض ويخطب ويقضي على فتنة النهروان!٢
جلّ الخالق، المعجزة هي هذه! فالإمام لا يتخطّى مشيئة الله قيد أنملة! يعني: لو فرضنا أنّ الله تعالى نزل إلى هذا العالم، ماذا كان سيفعل؟ عليٌّ يفعل نفس ذلك الفعل! أجل، الله تعالى في ذلك المقام، لا يُرى ولا يُنظر؛ ولكن، لو تجسّد في هذا العالم، فإنّ فعله في الأسفل لن يختلف عن فعله في الأعلى! فما يجري في الأعلى، لو نزل، لكان "عليًّا"! فقولهم: "عليّ لا ينفك عن الله" يعني هذا، حيث تُصبح رؤية الموحّد رؤية توحيديّة! وعلى سبيل المثال، فإنّ رؤية أمير المؤمنين هي رؤية التوحيد: أخذوا منه السيّدة الزهراء، فليأخذوها؛ لأنّ الله تعالى يُريد ذلك!
يجلس ويبكي؛ لأنّ لديه نفسًا، وهذا [البكاء] لازم لعالم الطبيعة. فهو راضٍ برضا الله؛ وفي الوقت ذاته، يتأثّر، لكنّه في عين تأثّره يُؤدّي وظيفته! فينهض، ويقف خلف أبي بكر، ويُصلّي؛٣ وحين تحدث مشكلة، يكون أوّل الحاضرين!٤ هذا، مع أنّ كلّ القدرات ـ باطنًا ـ في محلّها، ولا تتحرّك أيّة شعرة بدون ولايته! العارف يعني هذا!
إذا تقرّر أن نتحدّث لاحقًا إن شاء الله تعالى عن شمّة من حالات المرحوم العلاّمة، سأذكر لكم كيف كان يعيش رضوان الله تعالى عليه بيننا؛ فهذه الأمثلة التي نضربها تعني ذلك!
مقام "الجمع" بين التكوين والتشريع في العرفان الحقيقيّ
حسنًا، فهؤلاء الأفراد والآخرون... هم عباد لله تعالى أيضًا؛ وحين يكون الجميع عبيدًا لله، فكيف يجب أن نتعامل معهم؟ يجب أن يكون لدينا نمطان من التفكير:
أوّلاً: موقفنا في الارتباط بهم من وجهة نظر التشريع.
ثانيًا: موقف الجميع وعلاقتهم بالله تعالى من وجهة نظر التكوين.
مقام الجمع هو ألاّ نخلط بين هذين الأمرين.. هذا هو مقام الجمع، وهذا هو طريق العرفاء الحقيقيّين، لا الدراويش المزيّفين أصحاب العصيّ الذين يقضون ليلهم مع "الجانّ"! كلاّ! مقام الجمع هو الجمع بين القضيّتين: مقام التشريع في معاشرة الناس، ومقام التكوين والثبوت في الارتباط مع الله؛ فهذان المقامان يجب أن يُحفظا، ولا ينبغي لأحدهما أن يضرّ بالآخر. إذا أضرّ أحدهما بالآخر، فثمّة خلل في المسألة!٥
- راجع إلى كتاب: وقعة صفّين.
- راجع: شرح الأخبار، ج ٢، ص ٣۷؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٢، ص ۱٩٣؛ الدرّ النظيم، ص ٣٦۸.
- تفسير القمّي، ج ٢، ص ۱٥٩.
- الطبقات الكبرى، ج ٢، ص ٢٥۸؛ أنساب الأشراف، ج ٢، ص ۱۰۰ و۱۷۸؛ المناقب، الخوارزميّ، ص ۸۰ و۸۱؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٢، ص ٣۱.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: مباني الإسلام، نفحات الأنس، الجلسة الثالثة.
