
النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة
: لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟
ما هو المعنى الحقيقي للنجاة التي ندعو بها في الأدعية؟ كيف يُمكن لتقديس الأولياء أن يتحوّل إلى شرك خفيّ؟ وما هو سرّ وحدة الإرادة الإلهيّة التي تقف خلف أفعال المؤمن والكافر على السواء؟ ماذا يتوقّع الناس من المرجع؟ كيف يأخذ الله تعالى بيد الإنسان الصادق؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة العميقة.
النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة
4وحدة الإرادة والمشيئة في عالم الوجود
لا توجد في العالم سوى قدرة واحدة، ولا توجد في العالم سوى إرادة واحدة، ولا توجد في العالم سوى مشيئة واحدة! إذا كان عليّ عليه السلام يمتلك قدرة، ومعاوية يمتلك قدرة، ثمّ تغلّبت قدرةُ معاوية على قدرة عليّ عليه السلام، فإنّ عليًّا هذا لن يكون إمامًا بعد ذلك، بل سيُصبح شأنُه كشأن أحد من المراجع! فهل هؤلاء المراجع يمتلكون قدرة؟ لا!
لقد ذهب ودرس وبذل جهدًا، وأصبح مجتهدًا بحسب الظاهر، وأصدر رسالته العمليّة بناءً على صفائه ونقائه وعلمه، ويُقلّده جمعٌ من الناس. ولكن، هل هو متّصل بالباطن؟ لا! إنّه يعمل وفقًا لواجبه وما استنبطه من الأدلّة، والله يجزيه على ذلك أجرًا. ولكن، هل يمكننا القول إنّ هذا الإنسان يمتلك قدرة الولاية وأمورًا من هذا القبيل؟ لا! إذا كان من المفترض أن يكون عليّ عليه السلام مثله، ثمّ يأتي معاوية ليتغلّب عليه، فهذا ليس بإمامٍ إذن!
في أحداث الانتخابات التي جرت في زمن الشاه بخصوص قضيّة المجالس الإقليميّة والمحليّة، كان بيان المرحوم العلاّمة هو نفسه، حيث كان يقول: «لقد جاء الشاه وخدعنا ومكر بنا، فوقفنا جميعًا حائرين لا ندري ماذا نفعل!».۱
ضرورة التصرّف والسلوك الصادق في القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة
إنّ الشيطان لا يكلّ ولا يملّ! إذا كان الحساب حساب سياسة، فهم يسبقوننا! فلنكن على حذر؛ لأنّه إذا أردنا أن نواجه العالم بمنطق السياسة، فإنّهم سينتصرون علينا بنسبة مائة بالمائة؛ لأنّ الشيطان له اليد العليا. إذن، فلنعمل بصدقٍ، ولنكُن صريحين.٢
في أحد الأيّام، تُوفّي رجلٌ من روّاد هذا المسجد، كان رجلاً صالحًا من المؤمنين. هذه قضيّة تعود إلى عشرين عامًا مضت. شارك المرحوم العلاّمة في تشييعه، وكنت أنا حاضرًا أيضًا. وكان حاضرًا في التشييع عقيدٌ من الأقارب المقرّبين لهذا الرجل، وكان له شأنٌ كبير في جهاز الشاه. جاء هذا الرجل، وركّز بدقّة على تصرّفات المرحوم العلاّمة، وكان يُراقب فقط!
يا إلهي، ما هذا؟! قام المرحوم العلاّمة بالتشييع والصلاة والدفن في مقبرة «جنّة الزهراء»، حتّى إنّه وقف عند قبره، وأذكر أنّه لقّنه، وكانت عائلته من غير المحجّبات ومتبرّجات، لكنّهن تنحّين جانبًا، فقال المرحوم العلاّمة في الصلاة: «لا يحقّ لأيّة سيّدة أن تتقدّم؛ وفي أثناء التشييع، على السيّدات أن تتأخّرن، حتّى لا تكُنّ بوضع غير لائق!». وقد امتثلن لذلك، ووقفن جانبًا. بالطبع، كانت هناك بضع نساء محجّبات يرتدين العباءة، وزوجته أيضًا كانت امرأة مؤمنة جدًّا.
- راجع: وظيفة الفرد المسلم في إحياء حكومة الإسلام، ص ٥٩.
- معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ۱٩٣:
«ألم نعلم أنّ الحكومة الإسلاميّة تُقام على أساس حكومة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وقواعدها هي عين الاستقامة والصدق. ولو خرجت من هذا المحور فهي ليست حكومة عليّ. وينبغي أن نُعْرَفَ داخليًّا وخارجيًّا كما نحن عليه. والزيادة والنقصان يُخزياننا ويُشوّهان سمعتنا. ناشدتكم الله، هلمّوا لا نتحمّس على الإسلام والمسلمين أكثر من الحدّ المطلوب، فنتحمّس لصيانته وحفظه من خلال إشاعات كاذبة. وإلّا خسرنا في هذه المعركة، ذلك أنّ أعداءنا أشطن منّا وأمكر في الشيطنة. ولو أردنا إسقاطهم بالكذب والشيطنة لخاطرنا بأنفسنا، إذ على فرض تفوّق شيطنتهم فإنّهم سيوقعون بنا.
إنّ سبيل تصدير الثورة هو الصدق والصدق وحده بلا بثٍّ للدعايات، وهو الذي يُخضع الأجانب حتّى اليهود والنصارى وسائر الحكومات الكافرة، ويستقطب الشعوب، لأنّهم يلمسون حقّانيّة الإسلام ونبيّه عمليًّا في وجودنا. بَيدَ أنّا إذا أردنا أن نخضعهم بغير الصدق فلن يتيسّر ذلك أبداً، لأنّهم يعرفون اسلوب الخداع وغير الصدق أفضل منّا، بل يظفرون بمعلومات جديدة حول كذبنا».
