
النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة
: لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟
ما هو المعنى الحقيقي للنجاة التي ندعو بها في الأدعية؟ كيف يُمكن لتقديس الأولياء أن يتحوّل إلى شرك خفيّ؟ وما هو سرّ وحدة الإرادة الإلهيّة التي تقف خلف أفعال المؤمن والكافر على السواء؟ ماذا يتوقّع الناس من المرجع؟ كيف يأخذ الله تعالى بيد الإنسان الصادق؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة العميقة.
النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة
3المشكلة الحقيقيّة سببها الجهل وازدواجيّة الرؤية
لكنّ الحديث يدور حول: ما هي تلك المشكلة الواقعيّة والحقيقيّة؟ ما هي تلك المشكلة التي هي أمُّ الأمراض، والتي تنشأ عنها كلّ الآلام والأسقام؟ تلك المشكلة هي «الجهل»! الجهل بالحقيقة، والجهل بالواقع، والجهل بالمسألة! انظروا، إنّ تسعمائة وتسعًا وتسعين حالة من بين ألف حالة من الحالات التي يضرب فيها الناس بعضهم بعضًا في هذا العالم ـ ونحن نتساهل كثيرًا في استثناء تلك الحالة الواحدة ـ سببُها جميعًا هو الجهل!
لو كانوا يرون الواقع والحقيقة، لما كان لكلّ هذا الكلام وجود. لماذا كان على النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يدخل في صراعٍ مع أبي سفيان وأبي جهل؟ لأنّهما كانا جاهلين! قال لهم: «أنا لا أريد منكم بيتًا ولا حياة، ولا أطلب منكم مالاً. يا عديمي العقول، في النهاية، لقد خلقكم الله بشرًا! فما هذه الأخشاب التي صنعتموها؟ وما هذه التمور التي صنعتموها على هيئة صنم، ثمّ حين تجوعون، تهجمون عليها وتأكلونها جميعًا؟ ما هذا؟!».
لقد كان الأمر هكذا! حيث كانوا يصنعون أصنامًا من التمر؛ وعندما يحلّ عام المجاعة، كانوا يأتون جميعًا، ويأكلون تمورهم۱. فكان أحدهم يحصل على رأس الإله، وآخر يحصل على ساقه، وآخر على بقيّة الأجزاء؛ وباختصار، كان الأمر يعتمد على الجزء الذي يقع في يد كلّ واحدٍ منهم! وبعد ذلك، لم يعُد هناك إله! والآن، هل تعبدون هذا الإله؟! وعلى حدّ تعبير النبيّ إبراهيم عليه السلام: «أين عقولكم؟!».٢ لقد ضرب الصنم الأكبر وحطّمها جميعًا!
﴿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾؛٣. قالوا: أفهل يستطيع الصنم الأكبر أن يفعل أيّ شيء؟! ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾٤ «ما» هنا مصدريّة، أي: واللهُ خَلَقَكم وعَمَلَكم وفِعالَكم.
كلّ هذا ناشئٌ عن الجهل وازدواجيّة الرؤية! النجاة تعني أن نخرج من ازدواجيّة الرؤية هذه. النجاة تعني أن نخرج من رؤية الكفر والإيمان هذه، وأن نخرج من هذا الاستقلال في القدرة والتشخّص والتحيّز، وألّا نتصوّر بعد الآن إمامًا حسينًا وشمرًا [بنحو مستقلّ]، بحيث يأتي الشمر، ويقطع رأس الإمام الحسين عليه السلام بتلك الطريقة المعروفة، وألّا نتصوّر بعد الآن ابن ملجم وعليًّا [بنحو مستقلّ]، بحيث يوجد ابن ملجم له قدرة وقوّة وطاقة، فيقف في مواجهة عليّ عليه السلام، فيهزمه ويقضي عليه ويدفنه تحت التراب. هذه هي الجهالة، وكل هذه الأمور ناشئة عن الجهل!
- المعارف، ابن قتيبة، ص ٦٢١.
- لعلّه إشارة إلى الآية القرآنيّة الشريفة: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الصافّات، الآيتان ٩٥ و٩٦). المترجم
- سورة الأنبياء، الآية ٦٤.
- سورة الصافّات، الآية ٩٦.
