
معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها
أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء
ما هي النجاة الحقيقية وممَّ تكون؟ وكيف تكون رؤية العارفين للحكم والسلطة؟ ما هو الفرق بين التوكّل على الله والاعتماد على النفس؟ ومن هو الفقيه الذي يجوز تقليده حقًّا؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمّد محسن الطهرانيّ في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، مُوضّحةً أنّ الخلاص الحقيقيّ من سجن الخيال والهوى لا يكون إلاّ بالله تعالى.
معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها
7في معركة أحد، كانوا يقولون: «اعلُ هُبَل! اعلُ هُبَل! ارفعوا هُبَل! ارفعوا هُبَل!»، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «اللَهُ أعلىٰ وأجَلُّ!».۱ طبعًا، هناك بعض الاختلاف في هذا المضمون. فلم يقُل: نحن مُعتمدون على أنفسنا، ولم يقل: لدينا اعتزاز وطنيّ، ولم يقل: نحن المسلمون كذا وكذا! بل قال: «اللَهُ أعلىٰ وأجَلُّ!»؛ فمنذ البداية، هناك الله!
من نحن؟! ما هي الطبيعة؟! ما هو غضب الطبيعة؟! ما هذا الكلام؟! كلّ ما هو كائن هو الله! حتى هُبَل ذاك الذي يرفعه، الله تعالى هو الذي يرفعه. فعندما يقول النبي صلّى الله عليه وآله: «اللَهُ أعلىٰ وأجَلُّ!»، فإنّه لا يضع حدًّا ولا قيدًا لكلامه، بل يُعبّر عن هذا الكلام على نحو الإطلاق، وهو يشمل المسلمين وغيرهم؛ وهذا يصبح توحيدًا. لا أن يأتي النبيّ صلّى الله عليه وآله، ويقول: «إنّكم أتيتم لتقفوا في وجهنا وفي وجه الله!»؛ لأنّ الله ليس له مقابل! فمن ذا الذي يأتي، ليقف في مقابل الله؟! ومن يستطيع أن يأتي، ليرفع رأسه في مقابل الله؟! هذا ليس توحيدًا، بل هذا شرك! ذاك الذي يرى يزيد في مقابل الإمام الحسين عليه السلام، هو مشرك! مَن يكون يزيدًا ليأتي، ويقف في مقابل الإمام الحسين عليه السلام؟! من يكون الشمر؟! هل للشمر قوّة في مقابل الإمام عليه السلام؟! من أين أتى الشمر بهذه القوّة؟ ومن أين أتى يزيد بهذه القوّة؟ هل تفهمون إلى أين نذهب؟! من أين أتت هذه النجاة؟! فالإسلام يأتي، ويُزيل الحدّ، ويقول: كل ما هو كائن هو الله فقط!
تفاوت النظرتين المادّية والملكوتيّة للحكم والملك
على ما يبدو، ورد في دعاء الجوشن:
«يا مَن لا يُهرَبُ مِنهُ إلّا إلَيهِ»!٢ أي: نفرّ منه؛ غير أنّ هذا الفرار لا يُبعدنا عنه، بل الابتعاد عنه هو عين الاقتراب منه؛ فكلّما أردنا أن نبتعد عنه، اقتربنا!.
وحينئذ، نأتي وننسب هذا لأنفسنا!
كان هارون [الرشيد] يومًا ما يقول للسحابة: «أيّتها السحابة، أينما شئتِ فاذهبي، فلن تستطيعي الخروج من مملكتي!»، وكان يقول للشمس أيضًا: «من أيّ مكان شئتِ فاطلعي، ومن أي مكان شئتِ فاغربي، فإنّ طلوعك وغروبك في مملكتي!»٣. هذا لله، ولكنّه ينسبه لنفسه! تلك الحكومة على الإطلاق هي لله تعالى، وهو ينسبها لنفسه! الفرق بين هارون وبين النبيّ سليمان عليه السلام كان في أن النبيّ سليمان عليه السلام لم يكن يرى هذه الأشياء من نفسه، مع أنّه كان يملك أكثر من هارون؛ إذ كانت الريح تحت طاعته، والجنّ تحت طاعته، والملك تحت طاعته، وآصف بن برخيا ـ مع تلك القدرة الخارقة ـ تحت طاعته.. فكلّ هؤلاء كانوا تحت طاعة النبيّ سليمان عليه السلام؛ ولكن، ما جعله نبيًّا وجعل ذاك هارون، هو هذا:
- تفسير القمّي، ج ١، ص ١١٧.
- من الجدير بالذكر أنّه ورد في بحار الأنوار، ج ٩٢، ص ٤٥٣، في الصحيفة المنسوبة إلى نبي الله إدريس عليه السلام: «ولا يُهرَبُ منه إلاّ إليه!»؛ ولكن، وردت في كتاب البلد الأمين، ص ٤۰٥، ضمن دعاء الجوشن الكبير، عبارات قريبة من هذا المضمون: «يا مَن لا مَفَرَّ إلاّ إليه! يا مَن لا مَفزَعَ إلاّ إليه!». المحقّق
- مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٤، ص ٣۱٢؛ بحار الأنوار، ج ٤۸، ص ۱٤۱.
