
الفقر الوجوديّ للسالك في مقابل الله
كيف نظر الأولياء إلى فريضة الحجّ؟
من أين يأتي الخير الحقيقيّ؟ وكيف ينظر أولياء الله إلى أعمالهم الصالحة كالحجّ؟ وما هو الأدب الذي يجب أن يتّصف به السالك عند الحضور بين يدي أستاذه؟ يجيب العلّامة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ عن هذه الأسئلة، مستلهمًا من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
الفقر الوجوديّ للسالك في مقابل الله
9انطلق مع هؤلاء الثلاثمائة، ووصل إلى وسط البحر، فرأى الجوّ قد ساء، والأوضاع قد تدهورت... فقال: «يا إلهي، إذا أردت أن تغرقني، فأغرقني! لقد حان الوقت! ولكن، لماذا على هؤلاء الثلاثمائة أن يحترقوا بناري؟!». فقال الله تعالى: «في الحقيقة، كنت أريد أن أُغرقكم جميعًا هنا في الوسط، فجمعتكم واحدًا تلو الآخر: أنت من تلك المدينة، وذاك من تلك المدينة؛ فجمعتكم جميعًا في هذه السفينة؛ والآن اذهبوا جميعًا معًا إلى القاع!». فذهب جميعهم إلى القاع!
يُقال إنّه في أوائل الثورة، جاءت طائرة كان طيّارها من جنوب إفريقيا [وكان مواطنًا بريطانيًّا]، وحسب ما أتذكّر فإنّ اسمه كان: الطيّار "بنت"، ويبدو أنّ برج مطار طهران كان مُضربًا عن العمل في ذلك الوقت. فجاء، واصطدم بجبال "لشكرك"، وقد رأيت أنا بنفسي بقايا حطامها في جبال لشكرك، حيث كانت قطعة منها ملقاة هناك. قرأت لاحقًا في الصحيفة عن أحوال هؤلاء أنّ من بين طاقم هذه الرحلة، كان من المفترض أن تذهب مضيفة إلى سوريا، وكان من المفترض أن تقلع أخرى مع هذه الرحلة وتأتي إلى طهران؛ فتوجّهت تلك التي كان من المفترض أن تذهب إلى سوريا إلى إحداهنّ وقالت:
لقد حدث لي مانع.. أرجوكِ، اذهبي مكاني إلى سوريا؛ وفي المرّة القادمة التي يكون لديكِ فيها رحلة خارجيّة، سأذهب مكانكِ!
فقبلت الأخرى، ثمّ حدث ما حدث! انظروا كيف هو القضاء! عندئذٍ، تلك التي كان من المفترض أن تذهب إلى سوريا، كان قضاؤها قد حان، فجاءت مع هذه الرحلة إلى مشهد، واصطدمت بالجبل و ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾۱؛ وتلك التي كان يجب أن تأتي إلى مشهد، وتسقط بها الطائرة، قامت وذهبت إلى سوريا!
منبع كلّ الخيرات وحقيقتها
والآن، حالنا هو نفس الحال؛ فيجب علينا أن نعيد كلّ ما هو موجود، وكلّ ما أوجدناه لأنفسنا في خيالاتنا يجب أن نُعيده كلّه إلى صاحبه، وإلى أصله ومنبعه! فالله يريد أن يكون اليومُ بهذا الشكل، وغدًا بالشكل ذاك، وبعد غدٍ هكذا و ... [ما شأننا نحن؟].
إنّ رواية عنوان البصريّ هي تعليم سلوكيّ! والإمام الصادق عليه السلام لم يكن يمزح معنا! لقد جاء الإمام الصادق وطرح قضيّة المال فقط، ولكنّ الأمور كلّها هكذا! الآن، هل نعترف بتوفّرنا على روح؟ نعم، نعترف بذلك. حسنًا، هذه الروح التي نراها لأنفسنا، ما هي؟ إنّما هي لله تعالى؛ ولهذا، يجب أن "نَضَعها حَيْثُ ما أَمَرَنا اللهُ أَنْ نَضَعَها فِيهِ"؛٢ أي: حيثما قال الله اذهب وضعْ روحك هذه، اذهب أنت وضعْها هناك! فلماذا تتدخّل بعد ذلك؟! ولماذا تذهب وتتطفّل؟! ولماذا تجادل وتناقش؟! وتفعل كذا وكذا؟!
- سورة البقرة، الآية ۱٥٦.
- إشارة للعبارة من حديث عنوان البصريّ التي جاء فيها: «أنْ لَا يَرَى العَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللهُ مِلْكاً، لأنَّ العَبِيدَ لَا يَكُونُ لهم مِلْكٌ؛ يَرَوْنَ المَالَ مَالَ اللهِ يَضَعُونَهُ حَيْثُ أمَرَهُمُ اللهُ بِهِ». راجع: الروح المجرّد، ص ۱٩٣. المترجم
