
الفقر الوجوديّ للسالك في مقابل الله
كيف نظر الأولياء إلى فريضة الحجّ؟
من أين يأتي الخير الحقيقيّ؟ وكيف ينظر أولياء الله إلى أعمالهم الصالحة كالحجّ؟ وما هو الأدب الذي يجب أن يتّصف به السالك عند الحضور بين يدي أستاذه؟ يجيب العلّامة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ عن هذه الأسئلة، مستلهمًا من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
الفقر الوجوديّ للسالك في مقابل الله
4أنا بنفسي، قبل حوالي ثلاث سنوات، في أيّام الحجّ عندما تشرّفت بزيارة مكّة، رأيت في المدينة يومًا أحد هؤلاء الأشخاص الذين كانوا معنا، وتحدّثت معه؛ فكان يقول: «إن شاء الله، سيمرّ الوقت بسرعة وأعود إلى زوجتي وأولادي! إن شاء الله، سينتهي الأمر وأعود إلى زوجتي وأولادي!».
حسنًا، بحثُنا عن الحجّ هنا هو بحث استطراديّ؛ وبالطبع، فإنّ مسألة الحجّ ليست كما هي مطروحة، بل هي مهمّة جدًّا! إذ برأيي الشخصي، فحتّى لو تحقّقت الاستطاعة للإنسان بواسطة المشي، فيجب عليه أن يذهب إلى مكّة؛ أي إذا كان بإمكان أحدهم السير ماشيًا وبدون وسيلة نقل، فإنّه يجب عليه الذهاب إلى مكّة، ولو استغرق ذلك ستّة أشهر۱! وإذا كان بإمكان شخص أن يذهب ويكسب قوتَه في الطريق أيضًا، فيجب عليه أن يذهب إلى الحجّ وهو واجب عليه٢! ليس بالضرورة أن يكون هناك صندوق مال جاهز، وأن تتوفّر نفقات الذهاب والإياب والعيال والعودة...؛ ليس الأمر كذلك! إذا كان شخص لا يستطيع الذهاب بمفرده ويحتاج إلى مُعين لأداء حجّه، فيجب عليه أيضًا أن يدفع أجرة المُعين ويذهب إلى مكّة! مسألة الحجّ أهمّ بكثير من هذا الكلام! هذا الكلام ليس جزافًا، بل هو مستند إلى الأدلّة!
ومع أنّنا نفعل كلّ هذه الأشياء؛ لكن، بمجرّد أن نحصل على القليل من المال، نريد حين ذهابنا إلى مكّة أن نشتري بها أبواب الجنّة الستّة! لا أعلم هل هي سبعة أبواب أم ستّة! ونريد أن نأسر جميع الحور والغلمان، ونجعل الملائكة والجميع في خدمتنا وتحت تصرّفنا!
إذًا، ما هو جوهر القضيّة؟ جوهر القضيّة هو أن نقول: «يا إلهي! لم ننفق شيئًا، ولم نتكبّد عناء الطريق، ولم نفعل شيئًا، بل أتينا تعساء وبؤساء وفقراء وكلّنا ذنوب وخالو الوفاض. قلنا: "يا علي مدد"، وأتينا.. هذا فقط!». فإذا أتينا بهذه الطريقة، فهذا جيّد. أمّا إذا أتيتَ وقلتَ بتمنُّنٍ: «يا إلهي، لقد أنفقت من أموالي!»، فإنّ الله سيُدقّق في حسابك ويقول: «كم أنفقت؟!» ومن ثمّ، يستعرض الشخص أفعاله واحدةً تلو الأخرى قائلاً: «يا إلهي، لقد صرفت عمري هنا لك!»، فيقول تعالى: «وأين كنت حتّى الآن؟! وأين صرفت هذا العمر؟!». فعندما يحين وقت الحساب، فإنّهم يحاسبون الإنسان حسابًا دقيقًا، ويستخرجون الشعرة من اللبن، بل يستخرجون الزبدة من اللبن دون أن يحرّكوه ودون أن يحوّلوه إلى لبنٍ رائب! هكذا يستخرجونه! في بعض الأحيان، تجلس وتقول لنفسك: «إنّني قد فعلت الخير الفلانيّ»؛ ولكن، عندما تذهب وتفكّر مع نفسك ترى أنّه: كلاّ، فقد كانت نفسك أيضًا دخيلةً فيه؛ فلو صار كذا، ولو لم أقم بذلك العمل، لكان أفضل!
- وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٤٣، باب وجوب الحجّ علي مَن أطاقَ المشي.
- راجع: وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٥٩.
