
الفقر الوجوديّ للسالك في مقابل الله
كيف نظر الأولياء إلى فريضة الحجّ؟
من أين يأتي الخير الحقيقيّ؟ وكيف ينظر أولياء الله إلى أعمالهم الصالحة كالحجّ؟ وما هو الأدب الذي يجب أن يتّصف به السالك عند الحضور بين يدي أستاذه؟ يجيب العلّامة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ عن هذه الأسئلة، مستلهمًا من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
الفقر الوجوديّ للسالك في مقابل الله
2أعوذُ باللهِ منَ الشّیطانِ الرّجیم
بسمِ الله الرّحمنِ الرّحیم
الحمدُ لِلّه ربِّ العالمینَ والصّلاةُ والسّلامُ علیٰ أشرَفِ المُرسَلینَ
وخاتمِ النّبیّینَ أبِيالقاسمِ محمّدٍ وعلیٰ آلِهِ الطّیِّبینَ الطّاهرینَ
واللعنةُ علیٰ أعدائِهم أجمَعین
«إلـٰهي لا تُؤَدِّبْني بِعُقوبَتِك وَلا تَمْكرْ بي في حيلَتِك! مِنْ أَينَ لِي الخَيرُ يا رَبِّ وَلا يوجَدُ إلاّ مِنْ عِنْدِك؟! وَمِنْ أَينَ لِي النَّجاةُ وَلا تُسْتَطاعُ إلاّ بِك؟! لا الَّذي أَحْسَنَ اسْتَغْني عَنْ عَوْنِك وَرَحْمَتِك، وَلا الَّذي أَساءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيك وَلَمْ يرْضِك خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِك! يا رَبِّ يا رَبِّ يا رَبِّ».۱
الفقر الإمكانيّ والوجوديّ للسالك إلى الله
يبدو أنّني ذكرت سابقًا أنّ هذا الخير المنسوب إلينا، سواء كان من الناحية الفعليّة أم من الناحية الوصفيّة والنعتيّة، من أين أتى؟ لأنّ وجودنا في أصله وحقيقته فناء محض، وهذه الماهيّات تعيّنت وتخصّصت بوجود الحقّ، وعلى حدّ تعبير المرحوم صدر المتألّهين: «إطلاق كلمة الفقير علينا خطأ؛ بل يجب أن يُطلق علينا كلمة الفقر»؛٢ وهو عبارة عن وجود رابط! إذًا، ما حقيقة هذا الخير؟
يا إلهي، هل تمزح معنا حينما تُثني علينا كلّ هذا الثناء؟! فأنت تقول باستمرار: «أنتم أناس طيّبون؛ ومن يفعل هذا الأمر، فهو كذا وكذا...!». فما هي حقيقة الأمر في النهاية؟ ومن أين تأتي تلك المسألة؟
فأحيانًا، نُنفق، ونرى أنّ إنفاقنا كان في محلّه، فنفرح؛ فلماذا يجب أن نفرح؟! ودع جانبًا الحالات الأخرى التي نرتكب فيها أفعالاً خاطئة، والإسراف والنفقات التي ننفقها هنا وهناك...؛ فهذا الإنفاق الذي نقدّمه، وهذا الفعل الخيّر الذي يصدر منّا ونستحسنه ونقول: «الحمد لله أنّ الأمر تمّ هكذا وكان في محلّه وفي وقته»؛ فما هو سبب الفرح به؟
نظرة أولياء الله لفريضة الحجّ
في سفرتي الأولى التي تشرّفتُ فيها بزيارة مكّة، كان عمري ستّة عشر عامًا ونيّف. في الليلة الأولى، كنت في المدينة، وكان برفقتنا في ذلك الوقت أشخاص ـ لن أذكر أسماءهم ـ لم يعودوا موجودين الآن، ولم يكن هناك أحد من رفقاء السلوك؛ ولكن، كان هناك عدد قليل من أصدقاء المرحوم العلاّمة من أهل المسجد، حيث توفّي اثنان أو ثلاثة منهم أو أكثر. فكنّا جالسين، ولم نكن قد تشرفّنا بعدُ بزيارة الحرم، حيث كان الوقت ليلاً، وكان هناك أيضًا بعضٌ من مسؤولي هيئة بني فاطمة.. لقد رأينا هناك أشياء كثيرة! فجاء أحدهم، وقال للمرحوم العلاّمة:
- الإقبال بالأعمال الحسنة، ج ۱، ص ۱٥۷، مقطع من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
- الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقليّة، ج ١، ص ٤٦ و٤٧.
