
الله هو الأقرب إلى الإنسان وأكثرهم كتمانًا لسره
انشغال السالك الحقيقي بعيوب نفسه
لماذا يُعَدّ الله أقرب الموجودات للإنسان وأكثرهم كتمانًا لسره؟ ولماذا لا يشعر الإنسان بالخجل أمامه تعالى عند ارتكاب الذنب؟ وما هي السمة الأساسيّة التي تُميّز السالك الحقيقيّ عن غيره؟ وكيف يجب أن تكون نظرتنا إلى غير الله حتّى من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام والأولياء تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذه الأسئلة المهمّة.
الله هو الأقرب إلى الإنسان وأكثرهم كتمانًا لسره
10ضرورة التوجّه الآلي وغير الاستقلالي إلى النبيّ الأكرم والأئمّة الأطهار عليهم السلام
لقد رأيتم في كتابات ومؤلّفات المرحوم العلّامة، وفي كتاب «الروح المجرّد»، الأوصاف التي ذكرها بحقّ السيّد الحدّاد. لم نرَ حتّى الآن تعابير أسمى من هذه ممّن يريد أن يمدح آخر! أي أنّ أسمى وأعلى مرتبة يمكن أن يصف بها تلميذ أستاذه ومولاه، هي تلك الصفات التي أوردها المرحوم العلّامة في «الروح المجرّد» عن السيّد الحدّاد. هذا السيد محمد حسين نفسه بهذه الخصوصيّات التي قرأتم وصفها، نحن قد شاهدناها.
سأروي قصّة عن نفسي. في تلك السنة التي تشرّف فيها السيّد الحدّاد رضوان الله عليه بزيارة إيران، ذهب إلى همدان وأصفهان ومشهد. كنت صغيرًا حينها وفي حدود الحادية عشرة من عمري، وكنت أرافقه. ابن الحادية عشرة طفل صغير جدًّا! وكان كلّ حماسي أن يذهب هو إلى مكان ما، فأذهب أيضًا وألعب مع الأطفال في الساحة. كانوا يذهبون وينشغلون بالجلسة وغيرها، ونحن كنّا نذهب ونلعب!
ذات يوم، كان المرحوم العلّامة جالسًا بجانب السيّد الحدّاد ـ وقد روى لي الذين كانوا شهودًا على القضيّة ـ فجاء رجل وقال شيئًا في أذن المرحوم العلّامة. حسنًا، لقد التفت السيّد الحدّاد لذلك (إمّا عن طريق الظاهر أو غير الظاهر). ما إن قال تلك الكلمة، حتّى نهض المرحوم العلّامة ليأتي إلى الساحة ويناديكم ويؤنّبكم أو ليأتي بكم ويُجلسكم في المجلس. وما إن خطا خطوتين أو ثلاث، حتّى قال السيّد الحدّاد فجأة: «لا شأن لك بهم؛ إنّهم أطفال!». بمجرّد أن قال ذلك، استدار المرحوم العلّامة وعاد وجلس في مكانه كتمثال، ولم ينطق بكلمة واحدة. فهذا السيّد يصل إلى مكانة ما! وكما هو مكتوب في الكتب، كان تجاه أستاذه كالميّت بين يدي الغسّال. هذه الخصوصيّة والكيفيّة كانت شيئًا كنّا نشاهده، وأنتم قد رأيتموه في كتاباته.
في أواخر عمره، سألته ذات يوم عن موضوع يتعلّق بالسيّد الحدّاد: هل كنتم هكذا؟! فقال المرحوم العلّامة: «يا سيّد محسن! عندما كنتُ مع السيّد الحدّاد، لم أكن أنظر إليه كوليّ بشكل استقلاليّ؛ بل كنتُ أنظر إليه نظرة آليّة!». أي حتّى شخصيّة بهذه المكانة التي تمثّل كلّ وجوده، يقول: «كانت نظرتي إليه آليّة، لا استقلاليّة!». هل تدركون ما أريد قوله؟! يعني أنّ الإنسان يجب أن يضع في اعتباره شيئًا واحدًا ومبدأً واحدًا فقط.
