
الدعاء الظاهر والمناجاة الباطنة مع الله
كشف السرّ أعظم الذنوب في طريق العرفان والسلوك
ما هي كيفية التخاطب مع الله تعالى؟ وما الفرق بين مقام عرض الحاجة ومقام الخلوة لبيان الأسرار؟ ولماذا يُعدّ إفشاء السرّ من أعظم الذنوب في طريق السير والسلوك؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذه الأسئلة المهمّة.
الدعاء الظاهر والمناجاة الباطنة مع الله
7ذاك المقام عجيب، وأحوال الإنسان في علاقته مع الله مختلفة: ففي وقت على الإنسان أن يتّصل بالله باللسان؛ وفي وقت آخر، يتّصل به من دون صوت؛ وفي وقتٍ ثالث، يجب أن يستحضر تلك النيّة. أي إذا أراد الإنسان أن يجري الذكر على لسانه، فإنّ مجرّد إجرائه على اللسان يؤدّي إلى الانصراف من السرّ إلى عالم الظاهر، إلى عالم البرزخ والمثال، وإلى عالم الصورة. هناك، يجب أن تخطر تلك المعاني نفسها في القلب، من دون أن يتحرّك لسان الإنسان. حتّى في بعض الأوقات، يجب أن تكون لتلك المعاني جنبة وساطة، لا جنبة موضوعيّة. هذه هي مراتب السرّ.
عندما تذكرون في السجدة اليونسيّة أو ذكر «لا إله إلّا الله»، فإنّكم لا تضعون مكبّر صوت حتّى يسمع الجيران أيضًا! يقول سعدي: ذهب رجل مع ابنه إلى ملك. وعندما حان وقت الصلاة، صلّى صلاة طويلة جدًّا. وكان صائمًا أيضًا، وعندما أحضروا الإفطار، أكل كميّة قليلة. وعندما عاد إلى المنزل، قال لابنه: «جدّد الطعام فإنّنا جائعان». فقال له: «يا أبتِ، جدّد الصلاة أيضًا، فقد صلّيتها للملك!».
معنى السرّ
المقام هنا مقام السرّ، والسرّ هو علاقة دقيقة جدًّا وظريفة بين إنسان وآخر، أو هو تلك المسألة الباطنيّة التي يؤدّي إفشاؤها إلى ذهاب ماء وجه إنسان ما ويشوّه مكانته؛ فهذا ما يسمّى بالسرّ. وبالطبع، بمعنى آخر، هو مسألة باطنيّة قد لا يكون إفشاؤها مناسبًا وملائمًا للإنسان نفسه من جهةٍ ما.
في الإسلام، إفشاء السرّ حرام. وذلك لأنّ كلّ إنسان له حقٌّ في تلك المسائل والجوانب والحيثيّات الوجوديّة الخاصّة به؛ أي له الحقّ في أن يمتلك وجوده وحيثيّات وجوده. فلو جاء إنسان وأزهق روح آخر، فإنّه مجرم. يُقال له: «لماذا أزهقت روحه؟! لماذا قتلته؟!». كذلك تلك الخصوصيّات المرتبطة بهذا الوجود، فإنّ هذا الإنسان يملك تلك الخصوصيّات.
ولكن في وقتٍ ما، تكون هناك مسألة واضحة في الظاهر والعلن للجميع، فهو لم يعد يملكها. مثلًا، الذي يحلق لحيته ويخرج إلى الشارع، هو الآن لم يعد يملك هذا الوجه وهذه الصورة وهذا الظهور. لو كان يملكها، فلماذا يراها الجميع؟! ولكن في وقتٍ آخر، هذا الرجل نفسه يحلق لحيته ثمّ يضع نقابًا ويخرج، فهذا يصبح سرًّا مرّة أخرى؛ لأنّه لم يفش الأمر للناس، لم يره لأحد، بل وضع نقابًا وخرج، والناس لا يرونه إلّا بهذا النقاب.
