
الدعاء الظاهر والمناجاة الباطنة مع الله
كشف السرّ أعظم الذنوب في طريق العرفان والسلوك
ما هي كيفية التخاطب مع الله تعالى؟ وما الفرق بين مقام عرض الحاجة ومقام الخلوة لبيان الأسرار؟ ولماذا يُعدّ إفشاء السرّ من أعظم الذنوب في طريق السير والسلوك؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذه الأسئلة المهمّة.
الدعاء الظاهر والمناجاة الباطنة مع الله
5مقام هو مقام البروز والظهور.
ومقام آخر هو مقام الخفاء والخلوة.
عندما يريد الإنسان أن يرفع حاجة ما إلى سلطان ويعرضها عليه، فإنّه لا يهمس بحاجته في أذنه. إنّ مقام عظمة الملك والسلطان يحجب الإنسان عن أن يذهب ويهمس في أذنه قائلاً: «تعال لأخبرك بهذا الأمر بهدوء!». لا يفعل هذا أبدًا؛ بل يقف على بعد مترين أو ثلاثة، يراعي البعد، يراعي الأدب، ثمّ يقول ذلك الأمر للسلطان بصوت هادئ ولكن مسموع.
لقد عُبّر هنا بالنداء؛ أي إنّ مقام عظمة الربّ الذي يجب على الإنسان أن يقف فيه ويعرض حاله وحاجته وقضاءه، قد شُبّه بمقام السلطان. وفي هذه العبارة أيضًا، يراعي الإمام السجاد عليه السلام الآداب في مواضع استدعاء الطلب. وكما يُستحبّ للإنسان أن يدعو ۱؛ مثل الصلاة الجهريّة التي يُستحبّ فيها أن يكون الذكر ظاهرًا وبارزًا٢، لا أن يصرخ ! لذا، فإنّ الصلاة على محمّد وآل محمّد ذكر، والذكر يجب أن يُقال في حالة من الظهور والإظهار والإبراز٣. ولكنّنا نرى أنّ الناس الآن يصرخون ويقولون: «صلّوا صلاة يصل صداها إلى الحرم!». وهذا يتنافى أصلًا مع الذكر. الصلاة ذكر، واحترام، وعظمة، وإرسال تحيّة على النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ وهذا يتنافى مع الصراخ. هل تريد أن تؤذّن؟! يجب أن تقال الصلاة بنحو لا يكون فيه خفاء ولا صراخ ولا شيء يخلّ بالأدب ويخالفه.
على خلاف الأذان الذي هو إعلان أصلاً. لذا يُستحبّ في الأذان رفع الصوت بالصراخ، لأنّ الإعلان لا ينسجم مع الهدوء٤؛ فالأذان هو إعلام الناس بوقت الصلاة. يستطيع الإنسان أن يؤذّن في بيته أيضًا، ولكن يقولون: قم واصعد على مئذنة المسجد وأذّن؛ من أجل أن تعرّف الناس بوقت الصلاة، وهذا يتنافى مع القول بهدوء، ولا يمكن قوله بهدوء أصلاً! أمّا الإقامة فيجب أن تقال بهدوء؛ لأنّ الإقامة لم تعد إعلانًا. الإقامة مسألة يعتبرها بعض الفقهاء جزءًا من الصلاة، حتّى إنّ بعضهم يشكّ في أنّ عدم الإقامة قد يخلّ بالصلاة٥. إذن، لم يعد في الإقامة إعلان، بل هي مسألة تخصّ المصلّي؛ أمّا الأذان، فيُستحبّ أن يقال بصوت عالٍ حتّى يُحفظ فيه جانب الإعلان.
- الكافي، ج ٢، ص ٤۷٦
- من لا یحضره الفقیه، ج ١، ص ٣١٨ و ٤٠٠
- الكافي، ج ٢، ص ٤٩٣.
- وسائل الشّیعة، ج ٥، ص ٤١٠.
- السّرائر، ابنإدریس، ج ١، ص ٢٠٨.
