
جذور البُخل في نفس الإنسان
لماذا لا تكون للسلوك إلى الله أيّة قيمة دون مراعاة أصول الإنسانيّة؟
هل الجود حسن والبُخل قبيح عند جميع الشعوب؟ ما علاقة الأخلاق بالقُرب من الله تعالى؟ ما هو السبب الرئيسيّ لبخل الإنسان؟ وكيف ينعكس الجود والبخل في نظام الوجود الدقيق؟ ولماذا يُعدّ الإنفاق في الحياة أفضل من الوصيّة بعد الموت؟ تُجيب هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، كاشفةً في ضمن ذلك عن أنّ أساس السير إلى الله هو التحلّي بالإنسانيّة أوّلاً.
جذور البُخل في نفس الإنسان
الوصف:
هل الجود حسن والبُخل قبيح عند جميع الشعوب؟ ما علاقة الأخلاق بالقُرب من الله تعالى؟ ما هو السبب الرئيسيّ لبخل الإنسان؟ وكيف ينعكس الجود والبخل في نظام الوجود الدقيق؟ ولماذا يُعدّ الإنفاق في الحياة أفضل من الوصيّة بعد الموت؟ تُجيب هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، كاشفةً في ضمن ذلك عن أنّ أساس السير إلى الله هو التحلّي بالإنسانيّة أوّلاً.
جذور البُخل في نفس الإنسان
14الآن، الخطأ الذي ارتكبه الفقهاء هنا هو أنّهم يعتبرون أشهر الحجّ شرطًا للوجوب؛ في حين أنّها شرطٌ للواجب۱؛ أي: عندما يحلّ شهر الحجّ، تتنجّز تلك الاستطاعة، لا أنّه لم تكن هناك استطاعة؛ بل كانت هناك استطاعة، ولكنّ الشارع يُجيز للإنسان أن يُنفق ذلك المال في الموارد الضروريّة. ولكن، في وقت الحجّ، يجب عليه أن يُخصّص هذا المال للحجّ فقط؛ هذا، مع أنّ هذا العنوان هو عنوانٌ مشير، لا عنوانٌ استقلاليّ؛ وهو بالنسبة للأفراد الذين يريدون الانطلاق في شهر شوّال وذي القعدة، لا بالنسبة للأفراد الذين يجب عليهم من وقتٍ سابق أن يتهيّؤوا للحركة والزاد والراحلة وأمثال ذلك.
حينها، نجد أنّ فلانًا لديه مالٌ، ولكنّه يتسامح ويقول: «أريد أن أسجّل اسمي [في قائمة المرشّحين للحجّ]». لماذا تريد أن تُسجّل اسمك؟! أنت الذي لديك الآن عشرة ملايين أو عشرون مليونًا، يجب عليك أن تذهب بنحو مستقلّ وحُرّ! فلربّما تموت غدًا؛ ولهذا، يجب عليك الآن أن تُنفق هذا المال وتذهب إلى مكّة. ولو أصبحت تكلفة الحجّ مائة مليون وأنت تملكها، لوجب عليك إنفاقها، والذهاب إلى مكّة؛ لأنّه لا شرط له، ولا محدوديّة. أمّا إذا كان الذهاب إلى مكّة منحصرًا في هذا الطريق، فتلك مسألةٌ أخرى. وهذا التسامح بسبب: «وإنْ كنتُ بخيلاً حينَ يستقرِضُني». فعندما يطلب الله منّا، نبخل ونختلق الأعذار بأنّه حدث كذا وكذا، ونقول: «دعني أنتظر حتّى يصبح الجوّ لطيفًا، والفصل في مكّة مناسبًا!».
البخل بسبب الجهل بمالكيّة الله الحقيقيّة
كلّ هذا بسبب الجهل. فعندما يكون الإنسان جاهلاً بالمبدأ، وجاهلاً بالمنشأ، وجاهلاً بالمنبع، وجاهلاً بحقيقة نزول الفيض ونزول الوجود في عالم الكثرة هذا، تضعُف فيه صفة البذل والجود والعطاء. ولكنّ الله ليس جاهلاً، وأولياء الله ليسوا جهّالاً، والأئمّة عليهم السلام والأنبياء ليسوا جهّالاً؛ ولأنّهم ليسوا جهّالاً، يعلمون أنّ هذا المال مال الله.
في رواية عنوان البصريّ، قرأنا جميعًا ـ إن شاء الله نُطالعها مرّتين في الأسبوع ولا ننساها ـ أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول لعنوان [ما معناه]: «اعتبرْ كلّ الأموال أموالَ الله»٢. أنت وكيلٌ وأمين، وهذه الأموال في يدك، ويجب عليك ـ عند العطاء ـ أن تُراعي التكليف وتراعي ذلك الموقف الخاصّ؛ ولكن، يجب عليك أن تعتبر المال مال الله. يختلف الأمر كثيرًا أن يعتبر الإنسان الورود والخروج والمداخيل والمصارف من مبدأٍ واحد؛ أي أنّ مبدأً واحدًا أدخل هذا المال، والمبدأ نفسه أخرجه. حينها، يُصبح الأمر حقًّا شيّقًا وجميلاً للإنسان! كم يصبح الأمر جميلاً للإنسان أن يشعر أنّ مبدأ المداخيل والمصارف كلاهما واحد، وأنّه ليس له دورٌ هنا بتاتًا. وهذه القضيّة نفسها تُؤدّي شيئًا فشيئًا إلى أن تتجلّى وتظهر في الإنسان تلك الصفات التوحيديّة الأخرى.
- المعتمد في شرح المناسك، آية اللَه الخوئيّ، ج ٣، ص ٦٥، نقلاً عن المحقّق النائينيّ.
- بحار الأنوار، ج ١، ص ٢٢٥:
«... ألاّ يرَى العبدُ لنَفسِه فيما خَوَّلَه اللَهُ مِلكا؛ لأنّ العبيدَ لا يكونُ لهم مِلك. يرَونَ المالَ مالَ اللَه، يضَعونَه حيثُ أمَرَهم اللَه به....»
