
جذور البُخل في نفس الإنسان
لماذا لا تكون للسلوك إلى الله أيّة قيمة دون مراعاة أصول الإنسانيّة؟
هل الجود حسن والبُخل قبيح عند جميع الشعوب؟ ما علاقة الأخلاق بالقُرب من الله تعالى؟ ما هو السبب الرئيسيّ لبخل الإنسان؟ وكيف ينعكس الجود والبخل في نظام الوجود الدقيق؟ ولماذا يُعدّ الإنفاق في الحياة أفضل من الوصيّة بعد الموت؟ تُجيب هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، كاشفةً في ضمن ذلك عن أنّ أساس السير إلى الله هو التحلّي بالإنسانيّة أوّلاً.
جذور البُخل في نفس الإنسان
2أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّدٍ وآلِهِ الطاهرينَ
واللعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ
اعترافُ جميع الشعوب بحُسن الجود وقُبح البخل
«الحمدُ للهِ الذي أسألُهُ فيُعطيني»؛ أي: الحمدُ مختصٌّ بالله تعالى الذي كلّما طلبتُ منه وسألتُه قضاءَ حاجةٍ، أعطاني.
«وإنْ كنتُ بخيلاً حينَ يستقرِضُني»؛۱ أي: ولكن من الطرف الآخر، إذا طلب هو منّي شيئًا، فإنّني أبخل.
إنّ من الصفات المستحسنة صفة الجود؛ وهي مطروحةٌ في جميع الشعوب والملل كصفةٍ حميدةٍ وقيّمة. فما هي علّة استحسان هذه الصفة؟ ولماذا تُعدّ هذه الصفة مستحسنة والبخل صفة قبيحة؟
حكم الفطرة الإنسانيّة بمساعدة الآخرين على استمرار الحياة
إنّ وجه استحسان الجود هو أنّ الإنسان يشترك مع سائر الأفراد والموجودات ـ أعمّ من الحيوانات والنباتات ـ في وجه اشتراكٍ واحدٍ، وهو الحياة. فالإنسان حيٌّ، والحيوان حيٌّ، والنبات حيٌّ. وكما أنّ حقّ الحياة بالنسبة للإنسان يُعدّ حقّه الأوّلي والطبيعيّ، فإنّ حقّ الحياة هذا بالنسبة لبقيّة الموجودات ـ أعمّ من الحيوان والنبات ـ يُعدّ حقّها الأوّلي والطبيعيّ أيضًا؛ وهذه المسألة مقبولةٌ ومعترفٌ بها بشكلٍ عامٍّ في جميع الملل والنحل.
لا يستطيع الإنسان أن يقتلع شجرةً، بل حتّى عُشبةً من الأرض دون سببٍ، ويرميها جانبًا لتجفّ، وهو مسؤولٌ عن ذلك؛ لأنّ تلك الشجرة لها حقّ الحياة. ولا يستطيع الإنسان أن يقتل حيوانًا دون سبب. فالعنزة التي تسير في الجبل، لا يستطيع الإنسان أن يقتلها هكذا؛ فهذا الفعل حرام. نعم، إذا ترتّبت على هذا الفعل منفعةٌ مُفيدةٌ ومُحلَّلة، فلا إشكال؛ أمّا مجرّد أن يرى الإنسان عنزةٍ في الجبل، فيُعجبه أن يطلق عليها النار، فهذا الفعل حرامٌ ولا ينبغي فعله٢.
كان شخصٌ موثوقٌ به يقول:
كان لي أصدقاء في إحدى المدن الواقعة في أطراف قمّ، وكانوا هم أيضًا من هواة تسلّق الجبال. وفي إحدى المرّات، ذهبنا برفقة مجموعةٍ منهم ـ وكانوا نحو عشرة أو اثني عشر رجلاً ـ إلى الجبال المحيطة بخرم آباد وبروجرد. كنّا قد عزمنا على الذهاب والبقاء هناك ليومٍ أو يومين ثمّ العودة. انطلقنا؛ وفي طريقنا، وصلنا إلى مفترق طرقٍ كان في وسطه وادٍ، وكان الطريقان ينفصلان ثمّ يلتقيان مجدّدًا؛ وفي هذه المسافة، كان يوجد وادٍ عميقٌ جدًّا، وقد تشكّلت على كلا جانبيه هاوية. قال بضعة رجال: «نحن سنسلك هذا الطريق». وقال البقيّة: «نحن سنسلك ذلك الطريق»؛ فانقسمنا إلى مجموعتين، وانطلقنا.
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥۸٢، مقطع من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
- وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٤٧٧:
«عن إسماعيلَ بنِ أبي زيادٍ، عن جعفرٍ، عن أبيه عليه السّلام قال: "سبعةٌ لا يُقصِّرونَ الصّلاة" إلى أن قال: "والرَّجلُ يطلبُ الصَّيدَ يريدُ به لَهوَ الدّنيا...."». المحقّق
