
خصائص وأعمالُ شهرِ شعبان المُعظَّم
شرحُ فِقَرٍ من المناجاةِ القيّمةِ الشَّعبانيّةِ لأميرِ المؤمنينَ عليه السّلام، مع تذكيراتٍ حولَ الأشهرِ المباركةِ رجبَ وشعبانَ ورمضان
خصائص وأعمالُ شهرِ شعبان المُعظَّم
12«حتّى تخرق أبصار القلوب ...» ، انظروا: ما الذي يوجد أعلى منها؟ حتّى يقول الإمام انقلني إلى أعلى منها! ما الذي يوجد هناك؟
ذكرت لكم يوماً ـ لعلّه في شرح دعاء أبي حمزة ـ أن شخصاً من معارفنا ذكر لي أنه في زمن الشاه، ذهب صباح يومٍ من الأيام إلى المستشفى ليعود صديقاً من أصدقائه، وكان يحدّث نفسه أثناء الطريق بأنه ينبغي على السالك أن يتجاوز عن مسألة الجمال ولا ينظر ولا يلتفت إلى هنا وهناك، وفي هذه الأثناء أتت ممرضةٌ لتبدّل المصل للمريض، ولم تكن رعاية الحجاب في ذاك الوقت جيّداً، فقال: ما إن وقع نظري عليها حتّى غرقت في جمالها، فتعجّبت من ذلك، فصار فكرنا وذكرنا هو تلك الفتاة، وبعد ذلك حضرت ليلة الثلاثاء إلى المسجد، وكان المرحوم العلاّمة يتحدّث! وجلست أنظر إلى العلامة وفكري في المستشفى، فجأة قال المرحوم العلامة: نعم! يقولون بأنه ينبغي أن نتجاوز عن مسألة الجمال، لكن يا أخي ساعد فتاة يفتنك ويأخذ بلبّك، فما الذي تقوله بأنه علينا أن نتجاوز؟! هذا ليس عمل أيّ شخصٍ، هذه هي حجب النور؛ لأن هذه الأمور هي حجب النور، فهي مرتبطة بعوالم الربوبيّة، فإن كان هذا المقدار من الجمال لا تستطيع أن تتجاوزه، فما بالك بحور العين؟
يقول المرحوم العلامة: إذا أراد الله تعالى أن يبيّن لإنسان ـ بدون استعداده ـ جماله في قالب الحور العين وأمثالها، لما استطاع أن يعيش لحظةً في هذه الحياة الدنيا، هذه الأمور لا يُبيّنها الله الآن، بل يتركها لذاك العالم، يقول لنا: في الحاضر عليكم أن تتخلّصوا من هذه الدنيا ومن هذه الأوضاع، واتركوا تلك المسائل إلى ذاك العالم، وستبقى ديْناً لكم إلى هنا، أمّا أولئك الأشخاص الذين طووا هذه المراتب [فهم بأمانٍ وبإمكانهم مشاهدة هذه المسائل]، فلا تنظروا إلى هؤلاء الذين لديهم موقعيّة وخصوصيّات معيّنة.
أمير المؤمنين يقول: «حتّى تخرق أبصار القلوب حُجب النور»، اجعل عين قلبنا وبصيرتنا وتحمّلنا وسعتنا الوجوديّة التي منحتنا إياها... ، اجعلها تُمزّق حُجب النور وترفعها جانباً، وأوصلنا إلى النقطة المقصودة والغاية المنظورة، لا تجعلنا نتوقّف عند هذا الحدّ، ولا تشغلنا بمسائل الغيب والمُكاشفات والشهودات، بل اجعلنا نتجاوزها؛ «حتّى تخرق أبصار القلوب»، والمراد من أبصار القلوب هو تلك الحالة والاستعداد والقابليّة التي لدى القلب للمشاهدة، هذه يقال لها: «عين القلب» ، فقوله: «حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور» ، المراد بها هي أن ترتفع حجب النور، «فتصل إلى معدن العظمة» وهو مقام ذات الباري تعالى، وهو حقيقة «الوجود الصِرف» ، وهو معنى «بسيط الحقيقة» ، وهو معنى «الذات اللا متناهية» التي هي معدن ومنشأ لجميع الأسماء والصفات الكلّية، وإلى هناك يُريد الإمام أمير المؤمنين أن يُوصلنا، لذا علينا أن نلتفت جيداً، علينا أن لا نأنس بالعوالم الأدنى من تلك.
