
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟
لماذا لا يوصلنا علم الفقه وحده إلى الله؟ وهل يمكن لغير المسلم إتقانه وهل يمكن للحواسيب والتقنيات الحديثة أن تستنبط الأحكام الفقهيّة؟ لماذا لا قيمة لأعمالنا في ذاتها؟ وماذا يمكن للعبد أن يقدّم لربّه بدلًا عنها؟ تجيب هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانيّ قدّس سره عن هذه الأسئلة، مكملةً شرح فقرة «مَعرفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من دعاء أبي حمزة الثمالي.
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
8من لم يكن في مقام التهذيب وفي مقام السلوك وفي مقام التربية، واقتصر على هذه العلوم المتاحة لنا فلا يمكنه إلا أن يحصّل لقلقة لسان لا أكثر. ثمّ إن مستوى المعرفة يختلف أيضًا حتّى في الأحكام الظاهرية حسب درجة الاطّلاع على العلوم الأخرى، فالذي درس الفلسفة والعرفان واطّلع عليهما، مقدار المعرفة التي يحصلها ـ حتى لو لم يكن مسلمًا ـ في الفقه هو أرفع من المقدار الذي يحصّله من لم يدرسهما، لماذا؟ لأنّ تلك علومٌ تتعلّق بالمعارف الإسلاميّة، وبالمعتقدات الإسلاميّة، وبمعرفة الله تعالى ولو من الناحية الذهنيّة والعقليّة. أمّا هذه العلوم فتتعلّق بالظاهر، وعلى الإنسان أن يعرفها في مقام التكليف. أظنّ أنّ الرفقاء فهموا الأمر وأدركوا أنّ هذا الطريق الذي نسلكه لا يُعلم إلى أين يؤدّي؟
ما هو التفقه الحقيقي الذي أراده الإمام الصادق عليه السلام؟
فعندما يقول الإمام الصادق عليه السلام: «لَوَدِدتُ أَنَّ أَصحَابِي ضُرِبَت رُؤُوسُهُم بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»۱، فقد صار واضحًا الآن ماذا كان يقصد الإمام الصادق عليه السلام. هل كان يقصد هذا الفقه الظاهري؟! أبدًا. بل كان يقصد معرفة الله تعالى، وكان يقصد معنى الرواية القائلة عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أَوَّلُ العِلمِ مَعرِفَةُ الجَبَّارِ، وآخِرُ العِلمِ تَفويضُ الأمرِ إلَيهِ»٢. فبداية العلم معرفة الله تعالى ونهايته التسليم، أي أن يعرف الإنسان الله ثمّ يفوّض أموره إليه. هذا هو المقصود والمراد من كلام أمير المؤمنين عليه السلام المتعلّق بالمعارف. وهذا هو مقصود كلام الإمام السجّاد عليه السلام بأنّه لولا وجود أناس في آخر الزمان أهل توحيدٍ يدركون حقيقة الوجود ويفهمون حقيقة التوحيد، لما أنزل الله تعالى سورة التوحيد وآيات سورة الحديد في القرآن، فهي لأولئك٣. يقول الإمام السجاد عليه السلام إنّ هذه ليست لكم الآن، بل هي لأناس يكونون في آخر الزمان. سيأتون ويدركون حقيقة التوحيد، ويتوصّلون إلى واقع عالم الوجود، ويصلون إلى سرّ حقيقة الوجود. أولئك يفهمون معنى الصمديّة، ويميّزون معنى الأحديّة وفرقها عن الواحديّة.
من هم أهل التوحيد الذين يفهمون سورة الإخلاص وآيات سورة الحديد؟
من الذي يميّز معنى الأحدية والواحدية؟ لا نستخرجه من أحكام الشّك في الصلاة! من الذي يميّزه؟ فردٌ مثل صدر المتألّهين أو من هو أعلى منه. أولئك الذين وصلوا إلى حقيقة الوجود، وآثار الوجود في مقام الانبساط والتعيّنات من خلال البرهان والفلسفة. هؤلاء يفهمون معنى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾٤. هؤلاء يفهمون معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾٥. هؤلاء يمكنهم إدراك الجمع بين الأحدية ولفظ الجلالة "الله" في مقام استجماع الصفات والذات. كيف تتنزّل الذات عن حقيقتها المجرّدة ولا تتخلّى عن تجرّدها؟ كيف تحفظ وحدتها في عين الكثرة، وتجتمع في عين الوحدة مع الكثرة العددية؟ كلّ هذه الكثرات العددية تجتمع، وأولئك أدركوا حقيقة الوجود والموجود، ويمكنهم فهم أنّ مسألة التوحيد هذه وهذه الآيات القرآنيّة الشريفة في أيّ عالم تتحقّق، وفي أيّ عالم تتجلّى هذه الحقائق وتظهر.٦ وإلا فهذه المسائل الظاهريّة كانت موجودة دائمًا وستبقى دائمًا، وتختلف قليلًا؛ هذا يقول صبّ الماء مرّتين وذاك يقول ثلاث مرّات، ونحن نصبّ الماء أربع مرّات ولا إشكال في ذلك. هنا افترض أنّك يجب أن تفعل هذا ولا حاجة لركعة الاحتياط، ونحن نصلّي ركعة احتياطًا أيضًا، فالأمر لا يستدعي تأمّلًا كبيرًا، هذا هو المطلب.
- الكافي، ج ۱، ص ٣۱.
- غرر الحكم ودرر الكلم، ص ۱٩٥.
- لكافي ج۱، ص٩۱: محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد عن عاصم بن حميد قال: قال: سئل عَلِيّ بن الحسين عليه السلام عن التوحيد فقال: إنّ الله عزّ وجلّ علِم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل الله تعالى قل هو الله أحد والآيات مِنْ سورة الحديد إلى قوله وَهُوَ عَلِيْمٌ بِذَاتِ الصُدُوْرِ، فمَن رام وراء ذلك فقد هلك. راجع حول هذا الحديث شرح دعاء أبي حمزة ۱٤٣۱ ج ٦
- سورة الحديد (٥۷) الآية ٣.
- سورة الإخلاص (۱۱٢) الآية ۱.
- راجع البحث التالي: حقيقة التوحيد في الكتاب والسنّة عند العلامة الطباطبائي. بحث منتخب من تفسير الميزان يوضّح حقيقة التوحيد والوحدة العدديّة ومقام الأحديّة والواحدية.
