
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟
لماذا لا يوصلنا علم الفقه وحده إلى الله؟ وهل يمكن لغير المسلم إتقانه وهل يمكن للحواسيب والتقنيات الحديثة أن تستنبط الأحكام الفقهيّة؟ لماذا لا قيمة لأعمالنا في ذاتها؟ وماذا يمكن للعبد أن يقدّم لربّه بدلًا عنها؟ تجيب هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانيّ قدّس سره عن هذه الأسئلة، مكملةً شرح فقرة «مَعرفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من دعاء أبي حمزة الثمالي.
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
4ذات مرّة كنّا نذهب إلى درس الخطّ ونتمرّن عليه، وكان أساتذتنا ـ رحمهم الله ـ يعطوننا تمارين، فنذهب في الليل ونحلّ التمارين في الدفتر، وبعد يومين عندما يبدأ الدرس نذهب ونعطيهم ما كتبنا، فنشجّع أحيانًا ونوبّخ أحيانًا أخرى. أحيانًا يقول: «كتبتَ جيّدًا»، وأحيانًا يقول: «ما هذا الذي أحضرته لي؟» فهم كانوا أفضل الأساتذة. الآن، جاؤوا بنفس هذا الخطّ وجعلوه خطًّا في الحاسوب، فلا أحد يكتب. يأتون بذلك الخطّ ويضعونه فوق بعضه: الألف بهذا المقدار والباء بهذا المقدار، فيصبح الخطّ صناعيًّا وحاسوبيًّا، بهذا زالت تلك اللطافة وتلك الجاذبيّة والكيفيّة في التركيب. طبعًا التركيب بيده، ربما يستطيع تركيبه، لكن ليس بتلك الحيويّة والنشاط والنضارة التي يعطيها الخطّاط بروحه للخط عند الكتابة فتظهر في الكلمة وعلى الورق، نعم لم تعد موجودة، فهو جافّ، جامد، لا روح فيه. لو أخذت خطًّا كتبه خطّاط، ثمّ صمّمت مثله بالحاسوب، فإن كان الفرد خبيرًا سيعرف أنّ هذا مركّب ومن انتاج الحاسوب، وأنّ ذاك خطّ يد. الأمر أشبه بالفرق بين السجّاد الآلي والسجّاد اليدوي، فمهما بلغت دقّة الآلة ونسجت السجّاد بنعومة، يبقى السجّاد اليدوي شيئًا آخر، والخبراء يعلمون ذلك.
كان المرحوم العلامة ينقل أن شخصًا كان عجيبًا في معرفة السجّاد، فقال: إنّ أحد أقاربنا جاء من أقاربه وعلّمهم نسج السجّاد، فصنعوا سجّادتين صغيرتين، وكانتا ابنتين في العاشرة أو الثانية عشرة من العمر في المنزل، وكان نسجهما ناعمًا جدًا وتحفة. فجاء ذلك الخبير ونظر نظرة وقال: «الأستاذ كان كاشانيًّا، والناسج طهرانيًّا». أمّا نحن فمهما نظرنا لا ندرك. عجيب جدًّا أن يعرف أنّ الأستاذ المشرف على صنع هذه السجّادة كاشانيّ لكنّ ناسجها طهراني! كيف عرف هذا؟! إنّ أهل الفنّ يدركون الدقائق واللطائف، هم يدركون الأمور.
هل يشترط الإيمان في الحذاقة العلميّة أو القوة البدنيّة؟
حسناً، لو أخذت هذا الفقه نفسه، فهل يختلف عن الطبّ؟ وهل الطبيب مسلمٌ أصلاً؟ لدينا كلّ هؤلاء الأطبّاء من اليهود والنصارى، وكثير من أطبّائنا لا يؤمنون بالله، لكنّهم في الوقت نفسه ماهرون جدًّا، بل قد تفوق مهارتهم مهارة كثير من الأطبّاء المسلمين. في النهاية، هذا الفكر وهذه الحدّة الذهنيّة وهبها الله، والعقل وهبه الله، والموهبة والذاكرة وهبها الله. هذه العلوم أمورٌ يتوصّل إليها العقل البشري في نهاية المطاف ويستفيد منها، وعلى الإنسان أن يطلب دائمًا الأكمل. كم من الناس هم غير مسلمين لكنّ مهارتهم أكثر! كما أنّ هناك أفرادًا غير مسلمين وقوّتهم البدنيّة أعظم. ليس بالضرورة إن كان الإنسان مسلمًا ومؤمنًا أن يكون أقوى. فكثير من الناس كانوا أقوى من أئمتنا عليهم السلام. هؤلاء الأبطال الذين كانوا في ذلك الزمان كانوا أقوى من الإمام السجّاد والإمام الحسن العسكريّ عليهما السلام. ليس كونُه إمامًا سببًا لأن تكون قوّته الظاهريّة أكبر أيضًا، ليس الأمر كذلك. طبعًا القوّة التي كانت لدى رستم دستان ـ سواء أكانت القصّة صحيحة أم كاذبة، فالشاهنامه فيها ألف خرافة وتفاهة ـ من الواضح أنّ كثيرًا من الأعاظم وأولياء الله كالسيّد الحداد رحمه الله أو السيد القاضي رحمه الله لم يكن يستطيع أن يرفع ثقل ثلاثة كيلوغرامات عن الأرض. كلّا، ليس الأمر كذلك.
