
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟
لماذا لا يوصلنا علم الفقه وحده إلى الله؟ وهل يمكن لغير المسلم إتقانه وهل يمكن للحواسيب والتقنيات الحديثة أن تستنبط الأحكام الفقهيّة؟ لماذا لا قيمة لأعمالنا في ذاتها؟ وماذا يمكن للعبد أن يقدّم لربّه بدلًا عنها؟ تجيب هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانيّ قدّس سره عن هذه الأسئلة، مكملةً شرح فقرة «مَعرفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من دعاء أبي حمزة الثمالي.
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
17ما الذي يبقى للعارف ليعرضه أمام الله؟
عندما يكون لا جمال ولا علم ولا مال ولا شأن ولا شخصيّة عندي، فماذا لديّ إذن؟ لا شيء! حينها تصبح سلمان، تصبح لا شيء! عندما أصبح لا شيء، يأتي أمير المؤمنين عليه السلام فوق قبري ويكتب هذا:
«وفَدتُ على الكريمِ بغيرِ زادٍ *** من الحسناتِ والقلبِ السليمِ». لم آتِ بحسنة ولا بقلبٍ سليم؛ الحسنات هي الأمور الظاهرة، والقلب السليم يتعلّق بالباطن. لا ظاهري صحيحٌ ولا باطني، ومع ذلك لا بأس عليّ أبدًا، لماذا؟ لأنّي أنظر إليك. «يا ربّ، هل كان يعجبك أن أقدم على فرد كريم مثلك وأنا أحمل الزاد معي؟»
يقول الله: «لا».
نقول: «ولهذا السبب لم نأتِ بشيء».
يقول الله: «حسنًا، لا مشكلة، يبدو أنّ قليلًا من المعرفة قد وُهِبَ لك. أنا أيضًا إلهٌ وأريد عبدًا كهذا. عبدًا لا يمنّ عليّ بما أخذه منّي، ولا ينسب إلى نفسه ما أعطيته إيّاه، إلى حسابه البنكي. أنا أعطيتُ المال وأنتَ تضعه في حسابك؟ أنا أعطيتُ رأس المال وأنتَ تضعه في حسابك؟» لذا يقتضي هذا الأمر دائمًا في مقام الأدب. ولهذا قال الإمام السجاد عليه السلام: «يا ربّ، لم آتِ بعملٍ».
يقول الله تعالى أيضًا: «لم تأتِ بعملٍ، ولكن في النهاية الإنسان عندما يقدم على فردٍ ما، يجب أن يحمل هديّة». عندما تذهبون إلى منزل صديقكم، ألا تأخذون هديّة؟ عندما تزورون مريضًا، ألا تأخذون هديّة؟ يشتري الإنسان كيلوغرامين من التفّاح. يجب أن نأخذ هديّة ما.
قصّة علبة الكبريت التي أهداها السيد دستغيب رحمه الله
لا أعرف هل ذكرتُ هذه الواقعة للرفقاء أم لا؟ أحد الأصدقاء الذين كانوا مأنوسين جدًا بالسيّد دستغيب رحمه الله وكان من حواريّيه، نقل لي حادثة فقال: «ذهبنا في شتاءٍ ما مع السيّد دستغيب رحمه الله خارج شيراز، إلى قرى وبلدات شيراز. وعندما كنّا في الطريق قال السيّد دستغيب رحمه الله: يا ويلتاه، لم نحضر شيئًا، لم نحضر هديّةً لهذا الرجل الذي نذهب إليه. كان من دأبه أن يأخذ معه شيئًا إذا ذهب إلى مكان، حلوى أو ما شابه. فلمّا وصلنا إلى هناك قلتُ في نفسي: ماذا سيفعل لهذا الرجل؟ فجأة أدخل يده في جيبه، وكان فيها علبة كبريت، فأخرجها وقال: لم نجد شيئًا، نعطيك علبة الكبريت هذه كهديّة. فاحتفظ ذلك الفرد بعلبة الكبريت تلك حتّى آخر عمره، وكان يحدّث الجميع بها، ويقول: لقد شعرت بسعادةٍ من العمل الذي قام به، بحيث لو أنّه أعطاني مليونًا لما شعرت بمثل هذه السعادة». حسناً، لماذا وضع علبة الكبريت هذه في جيبه، لا ندري! إن شاء الله لم تكن للسيجارة، فالسيجارة حرامٌ ومضرّة! طبعًا ليس بالضرورة أن تكون له، فللكبريت استخدامات أخرى. أخرج الكبريت وقال: «هذه هديّة». فكم هذا العمل جميلٌ ومحبّبٌ وحسنٌ.
