
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟
لماذا لا يوصلنا علم الفقه وحده إلى الله؟ وهل يمكن لغير المسلم إتقانه وهل يمكن للحواسيب والتقنيات الحديثة أن تستنبط الأحكام الفقهيّة؟ لماذا لا قيمة لأعمالنا في ذاتها؟ وماذا يمكن للعبد أن يقدّم لربّه بدلًا عنها؟ تجيب هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانيّ قدّس سره عن هذه الأسئلة، مكملةً شرح فقرة «مَعرفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من دعاء أبي حمزة الثمالي.
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
16فتقول: «يا إلهي، هذا لم يأتِ بعد وبدأ يضع لنا شروطًا».
ـ «هل تعلم من استأجرتَ؟ عاملاً لديه الشهادة الفلانيّة من المكان الفلاني! وله الشخصيّة الفلانية بل ومعروفٌ بين الناس بهذا!»
فتقول له: «يا هذا، قم واذهب إلى المكان نفسه الذي أخذت منه تلك الشهادة، حيث أصدقاؤك. أردنا أن نأتي بفردٍ نأمره، ولم نكن نعلم أنّنا جئنا بآمر وأصبحنا نحن المأمورين!». حسناً، يأتي عامل مؤدّب، ويعرف كيف يتكلّم، نقول له: « من أنت؟»
يقول: «أنا أطيع كلّ ما تقوله، ولا أسمع لكلامٍ غير كلامك».
نقول: «يا للعجب! كم هذا الإنسان فهيمٌ ومؤدّب». بمجرّد أن يقول هذا الكلام، تستقرّ محبّته في قلب الإنسان. أمّا الأوّل فلا، حتى لو افترضنا أنّ الأوّل كان يمتلك هذه الصفات ولم يكن يكذب، لكن الحديث هو كيف يجب أن يفكّر الإنسان عندما يكون في مثل هذا الموقف؟
عندما تذهب لزيارة الإمام الرضا عليه السلام، هل تقول: «يا ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله، هل تعلم من الذي يقرأ زيارة أمين الله؟ هل تعلم أم أخبرك أنا؟ لقد قطعتُ مائة وخمسين كيلومترًا، وتركتُ الزوجة والأولاد، وأنا كذا وكذا، ولديّ الوضع الفلاني...!»
فيقول الإمام عليه السلام: «قم واذهب ودع الهواء يصبح أنقى قليلًا».
أو أنّ الإنسان يذهب ويقف أمام الضريح ويطأطئ رأسه ويرى نفسه صفرًا أمام الإمام حقًّا. ليس كذبًا! أليس مخجلًا حقًّا أن يعتدّ الإنسان بعلمه أمام الإمام؟ ألا يخجل منه حقًّا؟ أن يريد الإنسان أن يحسب لشخصيّته حسابًا أمام شخصيّة الإمام، ألا يخجل حقًّا؟ الإمام الرضا عليه السلام يضحك منّا ويقول: «انظروا! إلى أين وصل الزمان، هذا التافه جاء أمامنا يقرأ زيارة أمين الله، ويمنّ علينا بعلمه، ويمنّ علينا بشخصيّته، ويمنّ علينا بماله ومكانته، آه؟» ألا يضحك؟! كيف نذهب حقًّا لزيارة الإمام، وكيف نذهب إلى محضر الله، وكيف نقف أمام الله؟ كيف نعرض أنفسنا عندما نصلّي؟ نصل إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي كتبه على قبر سلمان رحمه الله، وكلّ الأئمة عليهم السلام، كم من القصص والحكايات التي لدينا عن الإمام السجّاد عليه السلام، عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، عن الإمام الرضا عليه السلام، عن الإمام الحسن عليه السلام. اقرأوا دعاء يوم عرفة للإمام الحسين عليه السلام، حقًّا الإمام عليه السلام هناك من بداية دعاء عرفة «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي لَيسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ...» إلى آخر الدعاء يقول: «أنا لستُ شيئًا، أنا صفرٌ، لا أملك شيئًا، أنا فقير، وأنتَ أعطيتَ، أنتَ جئت بي إلى هذه الدنيا، أنتَ كبّرتني، وأنتَ علّمتني، أنتَ جعلتَ الناس يحبّونني، وألقيتَ محبّتي في قلوب الناس، وأنتَ أزلتَ الموانع». الأئمة عليهم السلام يقولون لنا هذا ويعلّموننا. فأين نسير؟ وفي أيّ وادٍ نتحرّك؟ وإلى أيّ شيء ندعو الناس؟ هل هذه مدرسة الأئمة عليهم السلام؟ مدرسة الأئمة عليهم السلام هي مدرسة الفقر، مدرسة الفقر ومدرسة العدم، مدرسة تفويض كلّ الأمور إلى صاحبها الأصلي، تفويض كلّ شيء وتسليم كلّ الإمكانيات وكلّ الودائع إلى صاحب الوديعة الأصلي، يسلّمون كلّ شيء إليه.
