
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
هل يمكن للتقنيّات الحديثة أن تفتي؟
لماذا لا يوصلنا علم الفقه وحده إلى الله؟ وهل يمكن لغير المسلم إتقانه وهل يمكن للحواسيب والتقنيات الحديثة أن تستنبط الأحكام الفقهيّة؟ لماذا لا قيمة لأعمالنا في ذاتها؟ وماذا يمكن للعبد أن يقدّم لربّه بدلًا عنها؟ تجيب هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانيّ قدّس سره عن هذه الأسئلة، مكملةً شرح فقرة «مَعرفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من دعاء أبي حمزة الثمالي.
لماذا لا يكفي علم الفقه وحده؟
10قصّة سفر الحجّ الأول مع المرحوم العلامة : هل نمنّ على الله بأعمالنا؟
كنّا في خدمة المرحوم العلامة، ذكرتُ هذه الواقعة مرّة أو مرّتين، أذكر أنها كانت أوّل سفرة تشرّفت فيها بالحجّ، وكان عمري حوالي سبعة عشر عامًا. جميع الأفراد والأصدقاء الذين كانوا آنذاك رحلوا إلى رحمة الله. ذهبنا إلى المدينة المنوّرة، وكانت الليلة الأولى، فتشرّفنا بزيارة الحرم النبويّ الشريف وعدنا، فوجدناهم يتحدّثون فجلسنا معهم. فسأل أحدهم المرحوم العلامة : «كنّا نتحدّث مع الأصدقاء في الليلة الأولى، وكان النقاش يدور حول هذا الأمر، فقلنا نستفيد منكم، فنحن في النهاية تركنا أعمالنا وحياتنا وأنفقنا مبالغ وابتعدنا عن الزوجة والأولاد (طبعًا كان قد أحضر زوجته معه) وتقلّصت تعلّقاتنا، وهناك صعوبات أمامنا... فأردنا أن نجلس هنا مع الرفقاء ونتحدّث لنرى ماذا نفعل لنتمكّن من الحصول على أفضل نتيجة وفائدة مع وجود هذه النفقات التي بذلناها في مختلف المجالات؟ الآن وقد تشرّفتم بالحضور، نريد أن نستفيد منكم».
فتأمّل المرحوم العلامة دقيقة وضحك ضحكة من تلك الضحكات التي تحمل معاني كثيرة. ثمّ بدأ يتحدّث بهدوء: «حسنًا أيّها الرفقاء، صحيحٌ ما طرحتموه كلّه، فالإنسان أنفق نفقات، أنفقها في سبيل الله، وكان بإمكانه أن يذهب إلى مكان آخر لكنّه جاء للحجّ ليؤدّي تكليفه ويطيع الأمر ويسير نحو ذلك الهدف والمقصد. كلّ هذه الأمور صحيحة، ولكن أنا أيضًا لديّ أسئلة لكم. أخبروني، هذا المقدار الذي أنفقناه للحجّ والسفر، كم هو؟ فلنفرض هذا المبلغ مثلاً. حسنًا، لنحسب النفقات التي أنفقناها طوال عمرنا حتّى الآن على الترفيه والأسفار وهذه الأمور، كم تبلغ؟ ربما لا يصل هذا إلى واحد بالمائة منها. نحن لم نحسب تلك النفقات، والآن جئنا بهذين الألفين أو الثلاثة آلاف التي وضعناها لمكّة وأنفقناها على مكّة والحجّ، فهل هذا رقمٌ أو عددٌ يُعتدّ به أمام تلك النفقات لكي يمنّ به الإنسان على الله؟» ـ هؤلاء كانوا ممّن يسافرون إلى هنا وهناك، وحياتهم لم تكن سيّئة، وكان وضعهم جيّدًا ـ وقال: «كم من النفقات أنفقناها في سبيل الأسفار الباطلة! لو أردنا أن نحسبها، لرأينا أنّ سفر الحجّ هذا لا يُحسب أصلاً، وبالتالي لم ننفق شيئًا هنا. ومن جهة أخرى تقولون إنّنا ابتعدنا عن الزوجة والأولاد. ألم تبتعدوا عن زوجاتكم وأولادكم في أسفاركم التي كنتم تذهبون فيها إلى أوروبا وأماكن أخرى؟ ما الذي حدث الآن حتّى صرتم تتحدّثون عن سفر مكّة وتقولون ابتعدنا عن الزوجة والأولاد، يا لها من مصيبة! بل يحتاج الأمر إلى حظٍّ ليُتاح للإنسان أحيانًا أن يبتعد! طبعًا لكلا الطرفين! الآن ابتعدتَ شهرًا واحدًا وتقضي وقتًا ممتعًا ولا تسمع تذمّرًا! اشتريتَ هذا ولم تشترِ ذاك، وقصّرتَ وزدتَ، وهذه الأمور. حسنًا، ما قيمة هذا الشهر؟ ثمّ تعود إلى مكانك. والآن نأتي ونقول للّه: لقد تركنا الزوجة والأولاد، فيا ويلتاه! يا لها من مصيبة ويا لها من فاجعة! كلّا، هذا كلامٌ لا يليق أن يعرضه الإنسان أمام الله تعالى ».
