
الإيثار والإنفاق وآثارهما في نفس السالك
اعملك لدنياك كأنّك تعيش أبدًا
ما هو المعنى الحقيقيّ لـ«إقراض الله»؟ وما هو الثواب الفوريّ الذي يحصل عليه المنفق والمؤثر؟ لماذا يُعتبر تأجيل أعمال الخير من آفات السلوك؟ وما هي قصّة الرجل الذي تعلّم لغة الحيوانات في زمن النبيّ موسى عليه السلام، وما العبرة منها؟ تجيب هذه المحاضرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ، والتي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني، عن هذه الأسئلة، مبيّنة أهميّة اغتنام اللحظة الحاضرة في السير إلى الله.
الإيثار والإنفاق وآثارهما في نفس السالك
4مثلًا، يعقدون اتفاقيّة مع دولة ما، فترتفع قيمة عملة هذا البلد؛ ثمّ فجأة تتدهور العلاقات بين البلدين وتصبح قيمة العملة النصف. رأيتم في قضيّة الصلح أنّه ما إن أُعلن الصلح، حتّى ارتفعت قيمة عملة إيران وتضرّر الكثيرون. كان بعض الناس قد اشتروا بضائع، وبما أنّ تلك البضائع كانت تُباع وتُشترى بالعملة الأجنبيّة، انخفضت أسعارها فجأة! لأنّه عندما ينخفض سعر العملة، ينخفض سعر تلك البضائع أيضًا؛ كلّ هذه تُسمّى اعتباريّات.
ولكن ما يعطيه الله ليس اعتباريًا، بل يبقى. وذلك التجرّد الذي يحصل للإنسان وقت الإيثار والإنفاق ليس اعتباريًّا، والكرام الكاتبون يسجّلونه في صحيفة الأعمال. ولو انقلبت الأرض، ونزلت السماء على الأرض، وحدث زلزال، وجاءت صاعقة، وانتهى كلّ شيء، فإنّ هذا محفوظٌ ومسجّلٌ في صحيفته، ولم يعد قابلاً للفناء والزوال! الإيثار والإنفاق الثاني له صحيفة أخرى؛ والإنفاق الذي يليه له صحيفة أخرى، وهكذا تُسجّل الواحدة تلو الأخرى.
لماذا يُعتبر الإنفاق في الحياة أفضل من الوصيّة به بعد الموت؟
ورد في الرواية أنّ رجلاً توفّي وكان قد أوصى بأن ينفق النبيّ تموره. وعندما أنفق النبيّ التمور بيده، سقطت هناك تمرة ذابلة. فأخذها النبيّ وقال: لو أنفق حبّة التمر هذه في حياته، لكان أفضل من أن أنفقها أنا۱. لأنّ إنفاق النبيّ لها يُشبه قضيّة نذر الزيت المسكوب للحرم. يقول الرجل: الآن بما أنّني سأموت ويدي ستقصر عن هذه التمور، ولن يضعوا شيئًا منها في قبري، فليعطها النبيّ للفقراء.
الآن، سواء أعطاها النبيّ أم غير النبيّ، فما الفرق؟! هل تريد أن تمنّ على النبيّ وتقول: يا رسول الله، تعال وأنفق؟! النبيّ أيضًا يقول: تفضّلوا، هذه قائمة الفقراء، اذهب وأنفق! الآن وقد متَّ، فهل أتحمّل أنا عناء ذلك؟! إنّ إعطاء النبيّ للتمور لا فضيلة فيه، بل هو قد أضاف عناءً على النبيّ ومع ذلك يمنّ عليه أيضًا.٢
لماذا كان العرفاء يرفضون أن يكونوا أوصياء على أموال الناس؟
مثل الذين كانوا يدنو أجلهم يقولون: سنجعل العلاّمة الطهرانيّ وصيًّا لنا. إنّكم تفعلون أمرًا سيّئًا جدًا! لأنّ ذلك لا يجلب له سوى العناء والمتاعب. فإن كنتم صادقين، أعطوه ذلك الثلث الذي تريدون دفعه في حياتكم ليقوم هو بتوزيعه! إن كنتم صادقين، فتبرّعوا في حياتكم بما تريدون التبرّع به بعد موتكم؛ لا أنّه عندما تريدون أن ترسلوا الخمس للسيّد، تضعون حتّى ذلك القرش الواحد في الظرف وتختمونه، حتّى إذا وصل إلى يده يرى كم هو ثقيل، بينما لا يكون مبلغ الخمس هذا أكثر من ثمانية آلاف وخمسمائة وأربعة وستّين تومانًا وثلاثة قروش! لقد رأيتُ هذا بنفسي ولا أمزح! ثمّ عندما تريدون أن تموتوا تجعلونه وصيًّا لكم؟!
- لآلي الأخبار (تویسركاني)، ج ٣، ص ۱۰۱: روي أنّ رجلاً شابًّا من الأنصار جمع مالاً كثيرًا من الحلال فمرض، وعاده رسول الله في جماعة فقال له يا رسول الله، أوصيك أن تتصدّق أموالي كلّها على الفقراء والمساكين بيدك بعد وفاتي، فقبل رسول الله وصيّته فلمّا مات أمر بضبط أمواله ثمّ ذهب في داره، وتصدّق أمواله كلّها بيده، فقال الراوي، قلت في نفسي: للأغنياء خير الدنيا والآخرة، فنظر رسول الله صلّى الله عليه وآله إليّ وعلم ما أضمرته، فأخذ تمرة من ماله ورفع يده حتّى ظهر إبطه، ثمّ نظر إليّ فقال: ما الذي بيدي؟ فقلت: جعلت فداك تمرة واحدة من التمرات. فقال: والذي أرسلني بالحقّ نبيًّا صدقًا لو تصدّق هذا الرجل بيده تمرة واحدة لكان خيرًا له ممّا تصدّقته عنه.
- وفي المصدر السابق: قال الإمام الصادق عليه السلام: «درهم يعطيه الرجل في صحّة خير من عتق رقبة عند الموت»، وفي خبر آخر: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام أوصني فقال: «أعدّ جهازك وقدّم زادك وكن وصيّ نفسك ولا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك».
