
الإيثار والإنفاق وآثارهما في نفس السالك
اعملك لدنياك كأنّك تعيش أبدًا
ما هو المعنى الحقيقيّ لـ«إقراض الله»؟ وما هو الثواب الفوريّ الذي يحصل عليه المنفق والمؤثر؟ لماذا يُعتبر تأجيل أعمال الخير من آفات السلوك؟ وما هي قصّة الرجل الذي تعلّم لغة الحيوانات في زمن النبيّ موسى عليه السلام، وما العبرة منها؟ تجيب هذه المحاضرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ، والتي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني، عن هذه الأسئلة، مبيّنة أهميّة اغتنام اللحظة الحاضرة في السير إلى الله.
الإيثار والإنفاق وآثارهما في نفس السالك
الوصف:
ما هو المعنى الحقيقيّ لـ«إقراض الله»؟ وما هو الثواب الفوريّ الذي يحصل عليه المنفق والمؤثر؟ لماذا يُعتبر تأجيل أعمال الخير من آفات السلوك؟ وما هي قصّة الرجل الذي تعلّم لغة الحيوانات في زمن النبيّ موسى عليه السلام، وما العبرة منها؟ تجيب هذه المحاضرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ، والتي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني، عن هذه الأسئلة، مبيّنة أهميّة اغتنام اللحظة الحاضرة في السير إلى الله.
الإيثار والإنفاق وآثارهما في نفس السالك
6الصوفيّ ابن وقته: سرّ فلاح المرحوم العلامة الطهرانيّ
صوفى ابن الوقت باشد اى صديق *** نيست فردا گفتن از شرط طريق۱
يقول:
الصُّوفِيُّ ابْنُ الوَقْتِ يَا صَدِيق *** ولَيْسَ قَوْلُ "غَدًا" مِنْ شَرْطِ الطَّرِيق
ابن الوقت يعني الآن! ولا معنى لـ «التسويف»، في السلوك، والإنسان الذكيّ لا يؤجّل عمل اليوم إلى الغد. الغد للغد واليوم لليوم! اليوم قد خُصّص لنا سهمٌ وحصّة من الوجود، وسهم وحصّة وجود الغد هي للغد. كان والدنا المرحوم شخصًا ناجحًا لأنّه كان ابن وقته؛ أي إنّ دأبه كان أنّه لا يريد حقًّا أن تفوته الأوقات، وكان حاله هكذا منذ صغره.
كان يقول: أحيانًا كانت تأتي عطل؛ مثل عطلة أيّام النوروز التي تستمرّ ثلاثة عشر يومًا، وكانت المدارس تعطي واجبات، فكنتُ أعود إلى المنزل وفي اليوم الأوّل نفسه، أنتهي بسرعة من جميع واجبات الثلاثة عشر يومًا! أو مثلًا، كان يختار دائمًا من الواجب الموسّعِ الوقت المضيّقَ٢ وأوّل الوقت، وكان هذا أحد أسرار فلاحه ونجاحه. فيجب على الإنسان أن يكون ابن وقته ولا يؤخّر!
وصيّة الإمام الحسن عليه السلام: كن لآخرتك كأنّك تموت غدًا
يقول الإمام الحسن عليه السلام لجُنادة: «اسْتَعِدَّ لِسَفَرِكَ وَ حَصِّلْ زَادَكَ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِكَ... واعمَل لدُنياكَ كأنّكَ تعيشُ أبدًا، واعملْ لآخرتِكَ كأنَّكَ تموتُ غَدًا».٣ يا جُنادة، استعدّ لسفرك الذي هو في طريقك، وهيّئ زاد هذا السفر قبل أن يحين وقت الارتحال وتُقرع طبول الرحيل! في أمور الدنيا كن كأنّك تعيش أبدًا! فلا تُعطِ الدنيا أهميّة كبيرة! ولآخرتك كن كأنّك ستموت غدًا!
فإن كان إنسان سيعيش حياةً أبديّة، أو يعلم أنّه سيعيش مثلًا ألف عام أخرى، عندما يقال له: «اشترِ هذا المنزل! ، يقول: سنشتريه في العام القادم، فنحن سنعيش ألف عام، سنشتريه بعد عامين. يقال له: افعل هذا العمل! فيقول: سأفعله لاحقًا.
قصّة الرجل الذي تعلّم لغة الحيوانات: عبرة في حقيقة الأقدار
هل رأيتم كيف يُصاب بعض الناس بالهلع والذعر عندما يُخبرون بدنوّ موتهم؟! مثلًا، يقول لهم الطبيب إنّك ستموت بعد شهر! فإذا أدرك أنّ الأمر صحيح، تنقلب كلّ الأمور رأسًا على عقب فورًا! يذهب إلى زيد وعمرو ويطلب منهم المسامحة ويقول: لقد اغتبناكم واتّهمناكم، سامحونا! ويسدّد ديونه؛ لأنّه يرى أنّه سيموت بعد شهر وسيذهب، وأنّ هناك حقائق أمامه يجب أن يحاسب عليها.
- مثنوی معنوی، دفتر اول.
- الواجب الموسع هو الواجب الذي يكون المكلّف في سعة من أدائه بأيّ وقت من الأوقات داخل وقته كالصلاة اليوميّة مثلاً فإنّه يمكن أن يأتي بها في أوّل الوقت ويمكن أن يؤخّرها وإن كان أوّل الوقت رضوان الله وآخره غفران الله. والواجب المضيّق هو الواجب الذي له وقت خاصّ يسعه بالكامل لا يمكن أن يقع الواجب في جزء منه بحيث يقدّم فيه أو يؤخّر كصيام أيّام شهر رمضان.
والمراد هنا أنّ المرحوم العلاّمة كان يتعامل مع الواجب الموسّع على أنّه مضيّق. (م) - بحار الأنوار، ج٤٤ ص ۱٣٩: عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلت على الحسن بن علي ابن أبي طالب عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه وبين يديه طست يقذف عليه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه الله فقلت: يا مولاي مالك لا تعالج نفسك؟ فقال: «يا عبد الله بماذا أعالج الموت»؟ قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم التفت إلي فقال: «والله لقد عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما من ولد علي وفاطمة، ما منا إلا مسموم أو مقتول، ثم رفعت الطست وبكى صلوات الله عليه وآله.»
قال: فقلت له: عظني يا ابن رسول الله، قال: «نعم استعد لسفرك، وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك.
واعلم أن في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فإن كان ذلك حلالا كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراما لم يكن فيه وزر، فأخذت كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فان العتاب يسير.
واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا...» إلى آخر الحديث .
