
تباطؤ الإنسان في إجابة دعوة ربّه
قصص صادمة من مجالس العرفاء: عندما يطلب المريد من الوليّ أمورًا سخيفة!
هل تعلم أنّ مجرّد توفيقك للدعاء هو في حدّ ذاته إجابة من الله تعالى؟ كيف يخدعنا الشيطان في الشعور بالوصول قبل الأوان؟ وماذا طلب المريدون من العارف الكبير السيّد الحدّاد حتّى أثاروا حزنه؟ وكيف وصل الأمر بأحد مدّعي السلوك إلى أن يسجن رفيقه في الطريق؟ تكشف هذه المحاضرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ ـ التي ألقاها آية الله السيّد محمد محسن الطهرانيّ قدّس الله سرّه ـ عن أسباب تباطؤ الإنسان في الاستجابة لنداء الله، وخطورة الانشغال بالصغائر عن الهدف الأسمى.
تباطؤ الإنسان في إجابة دعوة ربّه
13كان المرحوم السيّد الحداد يقول:
يجب على السالك أن يمسك خنجرًا ويقف بجانب قلبه، وعندما يأتي الشيطان يضربه به!
على أيّ حال، هي خطّة جيّدة جدًّا، ولكن من يفعلها؟! عندما تكون نفسُ الإنسان تدعمه أيضًا، يتقدّم الإنسان.
كان في الأساس هو هذا حاله، حيث قال ذات مرّة:
أساسًا، ما قيمة الشيطان حتّى يُفكّر فيه الإنسان؟! ماذا يعني هذا أصلاً؟! من يكون هو حتّى تفكّر فيه؟!
هذا الأفق، أفقٌ عالٍ جدًا! من يكون الشيطان في الأساس حتّى تسعى للتفكير به؟!
تقول الآية الشريفة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا...﴾۱؛ أي: بمجرّد أن يأتي الشيطان، ويُريد أن يطوف، فإنّ الجرس يدقّ فورًا.
﴿طَائِفٌ﴾ يعني: عندما يُلامسك بجناحه ويُصيبك هواءُ جناحِه؛ لا أن يلتصق بك. فتارةً، يأتي، ويُعانق الإنسان تمامًا ويقول: «فديتك بروحي، أين كنت؟! تعال، فقد انتظرتك طويلاً»؛ فهذا بحثٌ آخر. ولكن تارة أخرى، قبل أن يدخل، يستعرض نفسه من بعيد!
فقضيّة الشيطان هي أنّه يأتي أوّلاً، ويدور حول المنزل؛ وعندما يرى أنّه لا يوجد مانع، يدخل إليه. يأتي مرّة أخرى ويدور، فإذا لم يكن هناك مانع، يدخل إلى الغرفة. وهكذا يُضيّق الدائرة شيئًا فشيئًا حتّى يصيب الإنسانَ هواءُ جناحه ونسيمه ونفحاته. تقول هذه الآية: ما إن تأتي النفحات لكي تصيب الإنسان، ﴿تَذَكَّرُوا﴾؛ أي: لا يدعونها تأتي لكي تضمّهم.
وصيّة السيد المسيح عليه السلام: لماذا يجب ألاّ نفكّر في الخطيئة أصلاً؟
قال عيسى عليه السلام:
أمر موسى أصحابَه ألاّ يَزْنوا، ولكنّي آمر أصحابي ألاّ يُفكّروا في الزنا أيضًا؛ لأنّ التفكير بالزنا، وإن كان لا يُحرق الإنسان، إلاّ أنّه كالدخان الذي يُؤذيه ويضرّه من وراء جدار! ٢
عندما تُشعل نارًا بجانب جدار؛ وإن كانت النار لا تحرق، إلاّ أنّ دخانها يأتي. هنا أيضًا، بما أنّ تلك الفكرة هي فكرة الزنا، فسواء أردنا أم لم نُرد، فإنّ فكرة الزنا تُغيّر الذهن وتخرّبه.
بمجرّد أن يجلب الإنسان خيالاً إلى ذهنه، يكون قد أصابه نسيمٌ ونفحة من ناحية الشيطان. ثمّ إذا أزال ذلك الخيال تمامًا من ذهنه، يرى الشيطان أنّه لا طريق له هنا، فيذهب ويقول: «لا خير لنا هنا، لنذهب إلى مكانٍ آخر، ولا نضيّع وقتنا عبثًا». ﴿تَذَكَّرُوا﴾: لقد أغلقوا الباب! ولكن، إذا فكّر فكرة، ثمّ فكرة أخرى، وقال: «لنرَ ما هي القضيّة»، يرى الشيطان أنّ الطريق مفتوح، فيقول: «الحمد لله، لقد أُزيلت الموانع، لنتقدّم قليلاً، ثمّ نتقدّم أكثر»، وهكذا يتقدّم شيئًا فشيئًا!
- سورة الاعراف، الآية ٢۰۱.
- الكافي، ج ٥، ص ٥٤٢:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْكُوفِيِّ جَمِيعًا عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «اجْتَمَعَ الْحَوَارِيُّونَ إِلَى عِيسَى عليه السلام فَقَالُوا لَهُ: "يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ أَرْشِدْنَا"، فَقَالَ لَهُمْ" "إِنَّ مُوسَى كَلِيمَ اللَّهِ عليه السلام أَمَرَكُمْ أَنْ لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَاذِبِينَ، وَأَنَا آمُرُكُمْ أَنْ لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ كَاذِبِينَ وَلَا صَادِقِينَ". قَالُوا: "يَا رُوحَ اللَّهِ زِدْنَا"، فَقَالَ: "إِنَّ مُوسَى نَبِيَّ اللَّهِ عليه السلام أَمَرَكُمْ أَنْ لَا تَزْنُوا، وَأَنَا آمُرُكُمْ أَنْ لَا تُحَدِّثُوا أَنْفُسَكُمْ بِالزِّنَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تَزْنُوا، فَإِنَّ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالزِّنَا كَانَ كَمَنْ أَوْقَدَ فِي بَيْتٍ مُزَوَّقٍ، فَأَفْسَدَ التَّزَاوِيقَ الدُّخَانُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَرِقِ الْبَيْت"»
