
تباطؤ الإنسان في إجابة دعوة ربّه
قصص صادمة من مجالس العرفاء: عندما يطلب المريد من الوليّ أمورًا سخيفة!
هل تعلم أنّ مجرّد توفيقك للدعاء هو في حدّ ذاته إجابة من الله تعالى؟ كيف يخدعنا الشيطان في الشعور بالوصول قبل الأوان؟ وماذا طلب المريدون من العارف الكبير السيّد الحدّاد حتّى أثاروا حزنه؟ وكيف وصل الأمر بأحد مدّعي السلوك إلى أن يسجن رفيقه في الطريق؟ تكشف هذه المحاضرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ ـ التي ألقاها آية الله السيّد محمد محسن الطهرانيّ قدّس الله سرّه ـ عن أسباب تباطؤ الإنسان في الاستجابة لنداء الله، وخطورة الانشغال بالصغائر عن الهدف الأسمى.
تباطؤ الإنسان في إجابة دعوة ربّه
11لو التقطوا له صورة بهذه الأجهزة الجديدة وقالوا له: «ليس من الضروريّ جدًّا أن تُجري العمليّة الآن، ولو أجريتها بعد بضع سنوات فلا مشكلة، وليست مسألة مهمّة جدًّا؛ لأنّ هذه الشرايين التاجيّة لم تَضِق كثيرًا لتحتاج إلى عمليّة، ومن الممكن أن تظهر لاحقًا آلات وأدوات وحبوب وأدوية تُذيب اللويحات حول الشرايين.۱ ففي هذه الحالة، لن يستعجل؛ لأنّه يرى نفسه مستغنيًا! فما إن يُخبروه بهذا الخبر حتّى تتبدّل حالة العجلة والمراجعة إلى بطء. يقولون له: «لماذا لا تجري العمليّة؟»، فيقول: «الآن ليس مهمًّا؛ لأنّ الجهاز يُظهر حاليًّا أنّه ليس ضروريًّا جدًّا». حتّى الآن، كان يظنّ أنّها ضروريّة؛ ولكن، بمجرّد أن أدرك أنّها ليست ضروريّة، يُصبح بطيئًا.
تمامًا مثل الآيات القرآنيّة التي جاء فيها: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾٢ و ٣ عندما يجلسون في السفينة، يقولون: «إذا أنجيتنا إلى اليابسة والشاطئ، سنصبح أناسًا صالحين ونُطيعك!»؛ ولكن، عندما نوصلهم إلى الشاطئ، يعودون إلى عملهم الأوّل مرّة أخرى! ما إن تقع أعينهم على الشاطئ، حتّى ينتهي كلّ شيء! فطالما هم في البحر، يشعرون بالفقر والاحتياج؛ ولكن، عندما يصلون إلى الشاطئ، يشعرون بالاستغناء! هاتان حالتان متغيّرتان.
كيف نحافظ على الأحوال الروحيّة؟
جاء شخصٌ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال:
يا رسول الله، كيف أنّه عندما نكون في محضرك، تتغيّر أحوالنا، ونتحوّل، ونشعر وكأنّنا لسنا على الأرض بتاتًا، وكلماتك وأحاديثك تُبدّل أحوالنا بالكامل، ونشعر وكأنّنا في عالَمٍ آخر، ويقلّ فينا التعلّق بالدنيا، ويقوى فينا التوجّه إلى الآخرة؛ ولكن، عندما نخرج من هنا إلى الشوارع ومنازلنا، تزول تلك الحال شيئًا فشيئًا؟!
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم [ما معناه]:
لَوْ بَقِيتُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، لَرأيتم مَا أَرَى، ولَسمعتم مَا أَسْمَعُ.٤
أي إنّ الانغماس في المسائل الأخرى يُسبّب انصرافكم. لذلك، كان المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه عندما يُراجعه بعض الأفراد ويقولون: «لقد حدثت لي الحال الفلانيّ»، يقول: «حافظ على هذه الحال واحذر أن تفقدها!»؛ أي: زد من المراقبة، ولا تُشارك في مجالس الغيبة، ولا تتكلّم بكلامٍ غير لائق، ولا تتصوّر وتتخيّل أمورًا غير لائقة، ولا تُقدم على ما ليس ضروريًّا لك! إذا لم تفعل هذه الأمور، تقوى هذه الحال؛ أمّا إذا فعلتها، فستزول تلك الحال!
- يُقال إنّه من المقرّر أن تظهر مثل هذه الأدوية؛ وهم الآن في مرحلة تجربتها واختبارها.
- سورة العنكبوت، الآية ٦٥.
- أفق وحي (فارسي)، ص ٢٦:
هؤلاء الناس شأنهم أنّهم كلّما ركبوا السفينة (وانطلقوا في لُجج البحار)، دعوا الله بكلّ كيانهم وبإخلاصٍ تامّ (واستمدّوا منه العون للوصول إلى مقصدهم)، ولكن عندما نجّاهم وأوصلهم إلى البرّ بسلام (ضربوا بكلّ تلك الدعوات والحالات والتوجّهات عرض الحائط)، وأشركوا بالله مباشرة (وكأنّه لم يكن هناك إله، ولا قدرة أزليّة، ولا حقيقة غيبيّة بتاتًا). - لعلّ في ذلك إشارة إلى الرواية المرويّة في الجزء الثاني من كتاب الكافي ص ٤٢٣ في باب تنقّل أحوال القلب، حيث ورد عن عَلِيّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إلى سَلَّامِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، فَدَخَلَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ، وسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ. فَلَمَّا هَمَّ حُمْرَانُ بِالْقِيَامِ، قَالَ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام: أُخْبِرُكَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ لَنَا وأَمْتَعَنَا بِكَ أَنَّا نَأْتِيكَ، فَمَا نَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ، حَتَّى تَرِقَّ قُلُوبُنَا، وتَسْلُوَ أَنْفُسُنَا عَنِ الدُّنْيَا، ويَهُونَ عَلَيْنَا مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ. ثُمَّ نَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ؛ فَإِذَا صِرْنَا مَعَ النَّاسِ والتُّجَّارِ، أَحْبَبْنَا الدُّنْيَا. قَالَ: فَقَالَ: أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: «إِنَّمَا هِيَ الْقُلُوبُ مَرَّةً تَصْعُبُ ومَرَّةً تَسْهُلُ». ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: «أَمَا إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَخَافُ عَلَيْنَا النِّفَاقَ. قَالَ: فَقَالَ: ولِمَ تَخَافُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ فَذَكَّرْتَنَا ورَغَّبْتَنَا وَجِلْنَا ونَسِينَا الدُّنْيَا وزَهِدْنَا حَتَّى كَأَنَّا نُعَايِنُ الْآخِرَةَ والْجَنَّةَ والنَّارَ ونَحْنُ عِنْدَكَ؛ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ ودَخَلْنَا هَذِهِ الْبُيُوتَ وشَمِمْنَا الْأَوْلَادَ ورَأَيْنَا الْعِيَالَ والْأَهْلَ يَكَادُ أَنْ نُحَوَّلَ عَنِ الْحَالِ الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا عِنْدَكَ، وحَتَّى كَأَنَّا لَمْ نَكُنْ عَلَى شيءٍ. أَ فَتَخَافُ عَلَيْنَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِفَاقًا؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: كَلَّا! إِنَّ هَذِهِ خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ فَيُرَغِّبُكُمْ فِي الدُّنْيَا. واللَّهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَصَفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهَا، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، ومَشَيْتُمْ عَلَى الْمَاءِ. ولَولَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ فَتَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا حَتَّى يُذْنِبُوا ثُمَّ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ فَيَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. إِنَّ الْمُؤْمِنَ مُفَتَّنٌ تَوَّابٌ. أَما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؟». (المترجم).
