
محوريّة الحقّ والتوحيد أساس العلاقات
لماذا قُتل العرفاء؟
على أيّ أساس يجب أن نبني علاقاتنا مع الآخرين؟ ما هو الميزان الذي لا يتغيّر في الصداقة والعداوة، وفي الإقبال والإدبار؟ ولماذا حارب بعض الفقهاء العرفاءَ وكفّروهم؟ تغوص هذه المحاضرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ، التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني، في عمق هذه الأسئلة، مبيّنة أنّ التوحيد هو المحور الوحيد الثابت الذي يجب أن تدور حوله كلّ مواقف الإنسان وعلاقاته، مستعرضة قصصًا تاريخيّة تكشف خطورة الانحراف عن هذا المبدأ.
محوريّة الحقّ والتوحيد أساس العلاقات
5فلم يستمع لقوله وأمر بقتله. فأعدموه وقتلوه. وفي صباح اليوم نفسه الذي كانت جثّته ملقاة على الأرض، كان محمد علي البهبهاني يمرّ من تحت رواق، فسقط سقف الرواق على رأسه ومات في الحال! كان أهل مدينة كرمانشاه يقولون:
رفت ز دار فنا حجةالإسلام ما *** برس به فریاد ما مهدی صاحب زمان! والمعنى:
رَحَلَ عَنْ دَارِ الْفَنَاءِ حُجَّةُ إِسْلَامِنَا *** أَغِثْ يَا صَاحِبَ الزَّمَانِ صَرْخَتَنَا!
أغثهم! لقد مات عالمهم! عندما كان الناس يذهبون لتشييعه، قال أحدهم: أرأيتم أنّه قال: هذا سيُدفن قبلي!
كان قتل الأولياء والكبار مثل شربة ماء! لم يقل أحدٌ: يا جناب السيّد، يا جناب الشيخ، يا جناب حجّة الإسلام، بأيّ دليل تقتل هذا الرجل؟! هل لأنّه يقول بوحدة الوجود؟! حسنًا، أنا أيضًا أقول بوحدة الوجود! ولتعلموا هذا: أنّكم ترون الآن أنّ تلك المسائل لم تعد موجودة، فذلك لأنّ السلطة ليست بأيديهم، وإلّا لكان الأمر الآن هكذا أيضًا! فمن يُفتي بأنّ القائل بوحدة الوجود نجس، لو وصلت السلطة إلى يده لأعدم القائلين بوحدة الوجود! ومن يكتب في رسالته أنّ القائل بوحدة الوجود نجس، لو وصلت السلطة إلى يده لأعدمه! الحمد للّه أنّ السلطة لم تصل إلى أيديهم، وإلّا لكنّا جميعًا الآن من المعدومين! هل تظنّون أنّ هذه النفس تترك الأمور هكذا؟! والحال نفسه في غير هذا الموضوع أيضًا. فإذا رأيتم في مكانٍ ما أنّ الأحوال هادئة، فاعلموا أنّ السلطة غير موجودة والخوف موجود، وإلاّ فالمسألة لا تختلف أبدًا! وبتوجيهٍ شرعيٍّ واحد، وصغرى وكبرى۱، وقضيّتين، تنتهي المسألة. فكان المرحوم العلامة الطباطبائيّ يقول: «لو قالوا عنّا يهود لكان أفضل من أن يقولوا: هم قائلون بوحدة الوجود!». أي لو قالوا إنّنا يهود، لكان تعاملهم معنا أسهل وأيسر من أن يقولوا قائلون بوحدة الوجود!
منهج العرفان: رؤية الحقّ في كلّ شخص وموقف
على الإنسان دائمًا وفي كلّ مكان وفي كلّ حال، أن يحافظ على معياره ومبدئه الأساسيّ؛ سواء في حال المودّة والصداقة أو في حال ذهاب المودّة والصداقة! لا يوجد أيّ ضمان بأنّ الذي هو حميمٌ مع الإنسان سيبقى حميمًا كذلك حتّى وفاته. هناك عللٌ وعوامل عديدة تجعل هذه المودّة تزيد تارة وتنقص أخرى. ولكن ما هو لازمٌ للإنسان في هذا المدّ والجزر، وفي هذا الصعود والهبوط، وفي هذه التغيّرات والتحوّلات، هو ألاّ يتخلّى عن معاييره ومبادئه؛ فإذا رأى حقًّا، فليقل: هذا حقّ، وإن لم يره، فليقل: هذا باطل! وليس صحيحًا أنّه عندما تكون هناك علاقة حميمة مع أحدهم يقول: إنّ كلّ ما يراه منه هو حقّ، وعندما لا يكون تكون العلاقة حميمة يقول: إنّ كل ما يراه منه ليس بحقّ!
- إشارة إلى الاستدلال المنطقي المؤلّف من قضيّة صغرى وقضيّة كبرى ونتيجة. وأنّ أمر الفقه إذا صار مجرّد تطبيق قواعد جافّة بلا روح سينتهي إلى مثل هذه النتائج. (م)
