
اختلاف مراتب أصحاب الأئمّة عليهم السلام
مرتبة زيد بن عليّ ومدى مشروعيّة ثورته
كيف تختلف طلبات الإنسان باختلاف مرتبته؟ وما هو المطلوب الأسمى للإنسان؟ وهل كانت مرتبة أبي ذرّ وسلمان والمقداد واحدة؟ ولماذا أبعد أبو ذرّ في حين لم يبعد سائر أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام؟ وما هي مرتبة زيد بن عليّ رحمه الله؟ وماذا كان موقف الإمام الباقر عليه السلام من ثورته؟ وبماذا يختلف زيد عن سائر الثائرين من أبنائه وبني الحسن عليه السلام؟ وماذا كان موقف الإمام الصادق من ثوراتهم؟ تجيبك هذه المحاضرة للسيد محمد محسن الطهراني عن هذه الأسئلة، وتستعرض الفرق بين العمل بموجب الولاية والعمل بالرأي الشخصي، مع شواهد تاريخية وقصص مؤثرة عن الموت واليقين.
اختلاف مراتب أصحاب الأئمّة عليهم السلام
9في ذلك المجلس السداسي بعد عمر، تحدّث الإمام معهم واحدًا تلو الآخر وقال: «نَشدتكُمُ باللهَ» أُقسِم عليكم بالله وأُذكّركم به في أذهانكم. قال لأولئك الستّة الذين اجتمعوا هناك، وكان منهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان... وقال: ألم يقل النبيّ هذا عنّي؟ ألم تروا كذا وكذا منّي؟ ألم تنزل آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم رَٰكِعُونَ﴾۱ في حقّي؟! من هو الذي نزلت في حقّه ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ﴾؟!
قالوا: نعم، هذه الآية نزلت فيك.٢ لكنّهم اختاروا عثمان!
فقال الإمام: من الأفضل أنّكم صوّتّم لعثمان، وداعًا، وأنا أيضًا أمضي إلى داري! فقد كنت في جليس داري حتّى الآن. أيّها البائسون، الملك والملكوت في يدي، وهكذا أكون مرتاحًا منكم! فهل أمير المؤمنين الذي يقول لابن عباس: واللهِ إنّ إمرتكم هذه لأهون عندي من هذا النعل الذي لا يساوي درهمًا لديك٣، هل يطمع في هذه الخلافة؟!
نحن بعيدون جدًّا عن الحقيقة، وكأنّنا لا نعلم شيئًا عن الإسلام وتاريخه! لو كنّا نعلم، لما فعلنا هذه الأفعال! لو كنّا نعلم، لما كنّا نضحي بأرواحنا بهذه الطريقة على هذا الطريق! من يقول هذه الكلمات؟! نقضي عمرًا على المنابر ونحن نقول هذه الكلمات، ولكن عندما يحين وقت العمل، نكون أسوأ من الجميع!
نعم، هكذا كان أمير المؤمنين. يقول سيّد الشهداء عليه السلام: «إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطِرًا... » أو «اللَهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ مِنَّا تَنَافُسًا فِي سُلْطَانٍ، وَلَا التِمَاسًا مِنْ فُضُولِ الحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنُرِيَ المَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ، وَيَأْمَنَ المَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ كذا وكذا»٤. يقرؤون خطب سيّد الشهداء، ولكن عندما يحين وقت العمل بها، يخطبون في مكان كذا وكذا قائلين إنّنا سنفوز في الانتخابات بفضل الله! والمفارقة أنّهم لم يفوزوا! فماذا تقولون؟! أين أنتم؟! لقد أصابتكم الحيرة لدرجة أنّكم لا تعلمون ماذا تفعلون!
أمّا زيد بن علي، فكانت مسألته أنّه فعل هذه الأمور من أجل الإمام الباقر عليه السلام، ولم يكن له طموح شخصي، رغم أنّ الإمام الباقر لم يكن يُؤيّد زيدًا فيما يتعلّق بهذه المسألة، ولكنّ زيدًا كان منصفًا ويقول: «أريد أن أوصل الحكم إلى يد أخي، فهو أعلم منّي». نحن لو جاء إمام الزمان عليه السلام، لقلنا له: أين أتيت؟! هل حاربتَ معنا حتّى تحكم الآن؟! أين كنتَ أنت في هذه الأحداث؟! ومهما قال إمام الزمان إنّ اسمي موجود في الكتب، اذهبوا واقرؤوا، سنقول: لا، لا فائدة! هل سجنت وحاربت؟! اذهب يا سيّدي في سبيلك، نحن لدينا حكومتنا، ولدينا ديننا، ونعرف ماذا نقول للناس! الآن هو يقول: لا بأس، حسنًا، انتظروا، أنتم تقولون: أنا ميت وأنتم أحياء! لن يأتِي إمام الزمان حتّى نقول: نحن أموات وأنت حيّ!
- سورة المائدة، الآية ٥٥.
- الاحتجاج ص ۱٩٣ـ ٢۱۰: إن عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة وأجمع على الشورى، بعث إلى ستة نفر من قريش: إلى علي بن أبي طالب، وإلى عثمان بن عفان، وإلى زبير بن العوام، وإلى طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وأمرهم أن يدخلوا إلى بيت ولا يخرجوا منه حتى يبايعوا لأحدهم، فإن اجتمع أربعة على واحد وأبى واحد أن يبايعهم قتل، وإن امتنع اثنان وبايع ثلاثة قتلا فأجمع رأيهم على عثمان.
فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام ما همّ القوم به من البيعة لعثمان قام فيهم ليتخذ عليهم الحجة قال عليه السلام لهم:
اسمعوا مني كلامي فإن يك ما أقول حقا فاقبلوا وإن يك باطلا فأنكروا ثم قال: أنشدكم بالله الذي يعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم هل فيكم أحد صلى القبلتين كلتيهما غيري قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم من بايع البيعتين كلتيهما الفتح وبيعة الرضوان غيري؟ قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخوه المزين بالجناحين في الجنة غيري؟قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عمه سيد الشهداء غيري؟ قالوا: لا
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد زوجته سيدة نساء العالمين غيري؟قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد ابناه ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهما سيدا شباب أهل الجنة غيري؟ قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عرف الناسخ من المنسوخ غيري؟قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا غيري؟ قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عاين جبرائيل في مثال دحية الكلبي غيري؟ قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أدى الزكاة وهو راكع غيري؟ قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد مسح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه وأعطاه الراية يوم خيبر فلم يجد حرا ولا بردا غيري؟ قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم بأمر الله تعالى فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه غيري؟ قالوا: لا.
إلى أن قال لهم أمير المؤمنين عليه السلام بعد حجاج طويل:
أما إذا أقررتم على أنفسكم، واستبان لكم ذلك من قول نبيّكم، فعليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأنهاكم عن سخطه ولا تعصوا أمره، وردوا الحقّ إلى أهله، واتبعوا سنة نبيكم، فإنّكم إن خالفتم خالفتم الله فادفعوها إلى من هو أهله وهي له.
قال: فتغامزوا فيها بينهم وتشاوروا وقالوا: " قد عرفنا فضله، وعلمنا أنه أحقّ الناس بها، ولكنّه رجل لا يفضّل أحدًا على أحد، فإن ولّيتموها إيّاه جعلكم وجميع الناس فيها شرّعًا سواء، ولكن ولّوها عثمان فإنّه يهوى الذي تهوون." فدفعوها إليه. - نهج البلاغة الخطبة ٣٣: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي:
مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟
فَقُلْتُ: لَا قِيمَةَ لَهَا.
فَقَالَ عليه السلام: وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا.
نهج البلاغة: الحكمة ٢٣٦: وعنه عليه السلام: والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم.
نهج البلاغة: الخطبة ٣: وعنه عليه السلام: دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز .
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج۱۱ ص ٢٤٦: وعنه عليه السلام: إنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى . - مقتل الخوارزمي، ج ۱، ص ۱۸۸؛ مقتل الحسین، ج ۱، ص ۱۸۸؛ ملحقات إحقاق الحق، ج ۱۱، ص ٦۰٢؛ لمعات الحسین، ص ۱۷.
