
الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة
لا تطلب أقل من الله!
ما هو سبيل للدعوة إلى الله؟ وكيف يختلف عن سُبل الوصول إلى حكام الدنيا؟ وما هو أعظم مطلوب يمكن للعبد أن يسأله من ربّه؟ في هذه المحاضرة يوضح آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني أن طريق الله هو طريق الحكمة واللين، وأنّه على السالك ألا يطلب في نهاية الطريق شيئًا سوى الله نفسه.
الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة
9هذا هو منطق الله. والآن، ما دام منطق الله بهذا الوضوح، فلماذا نعبس؟! فلنتعامل ببساطة وانبساط وابتهاج!
نموذج من سلوك النبيّ وتعامله مع الناس
عندما فتح جيش الإسلام قبيلة طيء، جاءت ابنة حاتم الطائي، وهي أخت عديّ بن حاتم، أسيرة إلى المدينة، ورأت أمير المؤمنين عليه السلام، ومكثت ثلاثة أيام في المدينة، وللقصّة تفاصيلها۱. خلاصة القول، عندما عادت إلى قبيلتها، سألها عديّ بن حاتم: «كيف وجدتِ النبي؟».
قالت: «الأخلاق التي رأيتها منه لم تكن أخلاق سلاطين».
قال عدي بن حاتم: «كيف؟».
قالت: «كنت أقف في طريقه كلّ يوم عندما يخرج من المسجد متّجهًا إلى منزله. وفي أحد هذه الأيام وهو قادم من المسجد، رأيت امرأة عجوزًا قد جاءت ووقفت. نظرت فرأيت هذه العجوز قد تحدّثت معه ساعة كاملة ولم يقطّب جبينه، وكان يهزّ رأسه ويتحدّث ويضحك ويمزح معها! فقلت في نفسي: "إن كانت هناك أخلاق، فهي هذه الأخلاق! هذه أخلاق الأنبياء!". فالسلاطين ليسوا كذلك٢.
وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يمزح أحيانًا. جاءت إليه عجوز يومًا وقالت: «ادعُ لي أن أدخل الجنّة». فقال عليه السلام: «العجائز لا يدخلن الجنة». فبدأت تبكي. فانتظر النبيّ حتّى بكت جيّدًا، ثمّ قال: «إنّهن يصبحن شابّات ثمّ يدخلن!» ٣. فكان النبيّ يمازح الناس أحيانًا.
تولّي الأنبياء أمور الناس بعد إصلاح بواطنهم
إنّ رؤية الإمام تختلف عن رؤية الحكّام والسلاطين، وبصيرة الإمام عليه السلام تختلف عن بصيرة أصحاب المال والسلطة. هؤلاء السلاطين لهم أمام الناس ظاهر مزيّن، ولكن لهم أيضًا باطن لم يُمسّ وتُرك على حاله، وذلك الباطن له صور مختلفة في الظاهر. الظاهر لا يصلح الباطن؛ سواء وضعت على رأسي قبّعة أم عمامة، باطني هو نفسه؛ ولو لم أضع أيًّا منهما على رأسي، فباطني هو نفسه أيضًا! العمامة والقبّعة واللحية وربطة العنق والعصا، كلّ هذه الأمور لا تصلح الباطن، لأنّ الباطن شيء آخر!
الأنبياء قد صلح باطنهم أولًا، ثمّ جاؤوا ليتولّوا زمام أمور الناس! صلح باطنهم أولًا وتغيّرت رؤيتهم، وتبدّلت علاقتهم بالله، واتّخذ ربطهم وتعلّقهم به صورة أخرى، ثمّ بتلك الرؤية وتلك البصيرة وبتلك الكيفيّة من الأخلاق المتبدّلة جاؤوا وتولّوا زمام أمور الناس! فهل التفتّم؟!
- إعلام الوری، ج ۱، ص ٢٥٢.
- السیرة النبویّة، ج ٢، ص ٥۷۸ ـ ٥۸۱.
- راجع النّوادر، للراوندي، ص ۱۰.
