
الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة
لا تطلب أقل من الله!
ما هو سبيل للدعوة إلى الله؟ وكيف يختلف عن سُبل الوصول إلى حكام الدنيا؟ وما هو أعظم مطلوب يمكن للعبد أن يسأله من ربّه؟ في هذه المحاضرة يوضح آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني أن طريق الله هو طريق الحكمة واللين، وأنّه على السالك ألا يطلب في نهاية الطريق شيئًا سوى الله نفسه.
الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة
الوصف:
ما هو سبيل للدعوة إلى الله؟ وكيف يختلف عن سُبل الوصول إلى حكام الدنيا؟ وما هو أعظم مطلوب يمكن للعبد أن يسأله من ربّه؟ في هذه المحاضرة يوضح آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني أن طريق الله هو طريق الحكمة واللين، وأنّه على السالك ألا يطلب في نهاية الطريق شيئًا سوى الله نفسه.
الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة
4تقدمت ووضعت رأسه في حجري، وعندما نظرت، رأيته علي بن الحسين، الإمام السجّاد! من هول ما رأيت من أحواله وما جرى، وكيف كان يبثّ حاله، غلبني البكاء حتى سالت دموعي على جبين الإمام. فجأة فتح عينيه وقال: «من أنت؟». قلت: «عبدك وخادمك الأصمعي». فقال: «ماذا تريد؟!» قلت: «يا ابن رسول الله، ما هذه الحال التي أراها فيك؟! ما هذا الطلب الذي تطلبه؟! فوالله لقد خلق الله الجنة بطفيلكم، وخلق جهنم للمتمردين عليكم!».
فقال عليه السلام: «لا، ليست هذه هي المسألة! «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَلَوْ كَانَ سَيِّدًا قُرَشِيًّا!»۱
الجنّة ثمرة الطاعة وحفظ الارتباط بالله
لا توجد محاباة في الجنّة، بل خلق الله الجنّة لكلّ من يطيعه. هنا لا يُقبل ابن رسول الله وحفيده، وابن الإمام الفلاني، وابن وليّ الله؛ بل الطاعة هي التي تدخل الإنسان الجنّة أيًّا كان، والمعصية والذنب يدخلان الإنسان جهنّم أيًّا كان: «وَلَوْ كَانَ سَيِّدًا قُرَشِيًّا!».
لماذا يقول الإمام عليه السلام هذا الكلام؟! لأنّ ذلك الربط وتلك الجهة التعلّقية بين الإنسان والله موجودة دائمًا، ولا فرق بين منتصف الليل ومنتصف النهار، والفجر، وما بين طلوع الفجر، ووقت الغروب وهذه الأمور، بل حالة الارتباط هذه موجودة في كل الأوقات!
إذًا، الطريق للوصول إلى الله طريق واحد لا أكثر: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾٢. يقول: ﴿سَبِيلِ رَبِّكَ﴾، ولا يقول: "سُبُل ربّك"! ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾٣.
الدعوة إلى سبيل الله بالموعظة والحكمة، لا بالقوّة والعصا
ادعُ إلى سبيل ربك بالموعظة، لا بالعصا والهراوة والبندقيّة! لا يا عزيزي! ادعُ بالموعظة والكلام والحسابات المنطقيّة. هذا هو سبيل الله، وآية القرآن تقول هذا، والإمام الصادق عليه السلام علّمنا هذا. يا عزيزي، اجلسوا وتحدثوا!
﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾؛ الحكمة تعني الأسس المحكمة؛ لا الأحلام، ولا الشعر، ولا لأن "مشهدي٤ حسن" بائع اللبن قال هذا، فأنا أفعل ذلك! لا، فهذه ليست حكمة؛ الحكمة تعني الأساس المحكم! ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾٥؛ أي أنّنا أعطينا لقمان أسسًا ومعتقدات محكمة لا يمكن اختراقها، أعطينا لقمان أسسًا أخلاقيّة وسلوكيّة متقنة. الحكمة تعني هذا! ويُطلق على الحكيم اسم "حكيم" من هذا المنطلق، لأنّه يبني أسسه الفكرية والسلوكيّة على البرهان.
- بحار الأنوار ج ٤٦، ص ٨١ نقلاً عن مناقب ابن شهرآشوب: روى الأصمعي قال: كنت أطوف حول الكعبة ليلة فإذا شاب ظريف الشمائل وعليه ذؤابتان وهو متعلّق بأستار الكعبة ويقول: "نامت العيون وعلت النجوم وأنت الملك الحي القيوم، غلقت الملوك أبوابها وأقامت عليها حرّاسها وبابك مفتوح للسائلين، جئتك لتنظر إلي برحمتك يا أرحم الراحمين". ثمّ أنشأ يقول:
يـا مـن يجيـب دعـاء المضطر فـي الظلم *** يـا كاشف الضـر والبلوى مع السقـم قـد نـام وفـدك حـول البيـت وانتبهـوا *** وأنت يـا حـي يـا قيـوم لـم تنـم أدعـوك رب دعـاء قـد أمـرت بـه *** فارحـم بكائـي بحق البيـت والحـرم قال: فاقتفيته فإذا هو زين العابدين عليه السلام.طاووس الفقيه:رأيته يطوف من العشاء إلى سحر ويتعبّد، فلما لم ير أحدًا رمق السمآء بطرفه وقال: إلهي غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتّحات للسائلين، جئتك لتغفرلي وترحمني وتريني وجه جدّي محمّد صلّى الله عليه وآله في عرصات القيامة، ثمّ بكى وقال: وعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكّ، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرّض، ولكن سوّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به علي، فالآن من عذابك من يسنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ فواسوأتاه غدا من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطّوا، أمع المخفين أجوز؟ أم مع المثقلين أحط؟ ويلي كلّما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن أستحي من ربّي؟! ثم بكى وأنشأ يقول :إن كـان عـفوك لا يرجـوه ذو سـرف *** فمـن يجـود علـى العاصيـن بالنعـم أتحرقني بالنار يا غاية المنى *** فأين رجائي ثمّ أين محبّتي ثمّ بكى وقال: سبحانك تعصى كأنك لاترى، وتحلم كأنك لم تُعص، تتودّد إلى خلقك بحسن الصنيع كأنّ بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيدي الغنيّ عنهم.ثمّ خر إلى الارض ساجدًا. قال: فدنوت منه وشلت برأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خدّه، فاستوى جالسًا وقال: من الذي أشغلني عن ذكر ربي؟ فقلت: أنا يا طاووس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جانون، أبوك الحسين بن علي وأمّك فاطمة الزهراء، وجدّك رسول الله صلّى الله عليه وآله!؟ قال: فالتفت إليّ وقال: هيهات هيهات يا طاووس دع عنّي حديث أبي وأمّي وجدّي! خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن، ولو كان عبدًا حبشيًّا ، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولدًا قرشيًّا. أما سمعت قوله تعالى: ﴿فاذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ والله لا ينفعك غدًا إلا تقدمة تقدّمها من عمل صالح.وفي معرفة المعاد، ج۱۰، ص ۸٥ عن «منتهى الآمال» ج ٢، ص ٩: يقول حمّاد بن حبيب في حديث له عن أحوال الإمام السجّاد عليه السلام في سفره للحجّ:فلمّا أن تقشّع الظلام، وثب (الإمام) قائماً و هو يقول: يَا مَنْ قَصَدَهُ الضَّالُّونَ فَأصَابُوهُ مُرْشِداً، وَ أمَّهُ الخَائِفُونَ فَوَجَدُوهُ مَعْقِلًا، وَ لَجَأ إلَيْهِ العَابِدُونَ فَوَجَدُوهُ مَوْئِلًا، مَتَى رَاحَةُ مَنْ نَصَبَ لِغَيْرِكَ بَدَنَهُ؟ وَ مَتَى فَرَحُ مَنْ قَصَدَ سِوَاكَ بِهِمَّتِهِ؟ إلَهِي! قَدْ تَقَشَّعَ الظَّلَامُ وَ لَمْ أقْضِ مِنْ خِدْمَتِكَ وَطَراً، وَ لَا مِنْ حِيَاضِ مُنَاجَاتِكَ صَدَراً، صَلِّ على مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ افْعَلْ بِي أوْلَى الأمْرَيْنِ بِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَأتيت بأعمال قباح زرية *** وما في الورى خلق جنى كجنايتي - سورة النحل (۱٦) الآية ۱٢٥.
- سورة فصلت (٤۱) الآية ٣٤.
- لأنّ زيارة مشهد لم تكن متيسّرة للجميع بسبب بعدها كان من يزورها يسمّى مشهدي تمامًا كما يسمّى من يحجّ حاجًا، ومن يزور كربلاء بالكربلائي. (م)
- سورة لقمان (٣۱) الآية ۱٢.
- بحار الأنوار ج ٤٦، ص ٨١ نقلاً عن مناقب ابن شهرآشوب: روى الأصمعي قال: كنت أطوف حول الكعبة ليلة فإذا شاب ظريف الشمائل وعليه ذؤابتان وهو متعلّق بأستار الكعبة ويقول: "نامت العيون وعلت النجوم وأنت الملك الحي القيوم، غلقت الملوك أبوابها وأقامت عليها حرّاسها وبابك مفتوح للسائلين، جئتك لتنظر إلي برحمتك يا أرحم الراحمين". ثمّ أنشأ يقول:
