
الجمع بين الحلم والعلم، ميزان السالك الحقيقي
الحلم في السياسة
لماذا غالبًا ما يؤدي العلم إلى التكبّر؟ كيف يجمع المؤمن بين علمه وحلمه؟ ما هو المقياس الحقيقيّ لتقدّم السالك في طريقه إلى الله؟ وهل طول الصحبة للأولياء دليل على الكمال؟ تجيب هذه المحاضرة لآية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة، موضّحةً أن ازدياد الحلم والتواضع هو علامة الصدق في السلوك لا مجرد ادعاء المعرفة أو الصحبة.
الجمع بين الحلم والعلم، ميزان السالك الحقيقي
2أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا أَبِي القَاسِمِ مُحَمَّدٍ
صلَّى الله عليه وآله وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ
وَاللَّعْنَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ
«وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي يَحْلُمُ عَنِّي حَتَّى كَأَنِّي لَا ذَنْبَ لِي فَرَبِّي أَحْمَدُ شَيْءٍ عِنْدِي وَأَحَقُّ بِحَمْدِي»؛
الحمدُ يستحقُّه ويليقُ به الإلهُ الذي مع كوننا نرتكب الذنوب، فهو حليمٌ وصابرٌ في تعاطيه معها ويغضّ الطرف عنها، لدرجة وكأنّنا لم نرتكب ذنبًا. فربُّنا هو أكثر الموجودات حمدًا عندي، وهو الأجدر بحمدي من كلّ موجود.
فكما أنّه «أَحْمَدُ شَيْءٍ» فهو «أَحَقُّ بِحَمْدِي» أيضًا؛ فـ «أَحْمَدُ شَيْءٍ» تعني أنّه يحتمل الحمد أكثر ويتقبّله أكثر، و «أَحَقُّ بِحَمْدِي» تعني أنّه الأكثر استحقاقًا للحمد.
اقتران الحلم بالعلم من صفات المؤمنين
تقدّم في الجلسات الماضية فيما يتعلق بالحلم وأقسامه، أنّ الحلم هو الصبر وضبط النفس وعدم إبداء ردّة فعل تجاه عمل غير مناسب يحدث في الخارج؛ وإلا فلو كان العمل مناسبًا، لما كان للحلم معنى. فإذا كان إنسان ما صبورًا وضابطًا لنفسه تجاه عمل غير مناسب أو خطأ، يُقال له: حليم.
وعادةً يكون الذين يملكون علمًا ويكتسبون معرفة ولديهم مخزون من العلم غير حلماء، ويتصرّفون بعنف تجاه المسائل والأمور، بحيث لا توجد فيهم حالة الصبر والحلم. ولدينا رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام حول صفات المؤمنين، حيث يقول الإمام: «يَمْزِجُ الحِلْمَ بِالعِلْمِ»۱.
المؤمنون دائمًا يمتلكون الحلم إلى جانب العلم. وكأنّ هذا العلم يجلب نوعًا من الغرور للإنسان يجعله غير مستعدّ للتعامل مع الآخرين. الجميع هكذا، وكلّ من يحصل على تخصّص ويبرز في مجال ما فهو لا يقبل أن يتحدّث معه أحد بخصوص ذلك التخصّص. فعلى سبيل المثال، إذا قيل لبنّاء جيّد جدًّا وماهر ومتقن لعمله: "عملك هنا خطأ" أو "يجب أن تفعله هكذا"، فسيقول: «هل أنت أعلم أم أنا؟! اذهب وشأنك!». أو إذا رسم مهندس خارطة واعتُرضَ على عمله، فإنّه يقول: «ما هذا الكلام الذي تقولونه؟! اذهبوا وانشغلوا بأعمالكم!». أو إذا راجع إنسان طبيبًا وتدخّل في عمله، يقول الطبيب: «اذهب إلى طبيب آخر!». أو إذا سُئل عالم عن مسألة ما وأطالوا الكلام قليلاً، يقول: «اذهبوا، ليس لدي وقت ولا مزاج!».
- الكافي، ج ٢، ص ٢٣۰؛ نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ۱۸۸.
