
النيّة وباطن العمل
حلم الله عن العاصين: رحمة أم استدراج؟
ما هي أصناف الناس من حيث ظاهرهم وباطنهم؟ وكيف نميّز بين المؤمن الصادق والمنافق المتظاهر بالصلاح؟ ما هو المعيار الحقيقي لقبول الأعمال؟ ومتى يكون حلم الله عن العبد سببًا في هلاكه بدلاً من نجاته؟ تُجيب هذه المحاضرة التي ألقاها العلامة السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه عن هذه الأسئلة، مستشهدة بقصص وعبر من التاريخ وسيرة أهل البيت عليهم السلام.
النيّة وباطن العمل
7في يوم من الأيّام كان أويس القرني يمرّ بمكان، فرأى رجلاً قد حفر قبرًا ودخل فيه يصلّي.
فقال له: «ماذا تفعل؟»
قال: «أصلي».
قال له أويس: «منذ كم سنة وأنت تفعل هذا؟»
قال: «عشرين سنة».
قال له أويس: «اذهب، لقد ابتعدت عن الله عشرين سنة! هل هناك من يدخل القبر ويصلي؟! هل تصلّي للّه أم لكي يُرفع عنك عذاب القبر؟!»۱.
ويُنقل في أحوال السيّدة نفيسة خاتون المدفونة في مصر، أنّها المسكينة قد قرأت مائة وتسعين ختمة للقرآن على قبرها!٢. فهل هذا العمل صحيح؟! القرآن لا يُقرأ للقبر؛ بل يُقرأ للّه.
توصية العلامة الطهراني بإهداء ثواب قراءة القرآن للنبيّ
قال المرحوم العلامة رضوان الله تعالى عليه: «كلّما قرأتم القرآن، فأهدوا ثوابه فقط لروح النبيّ صلّى الله عليه وآله». لأنّ نيّتك إذا خلصت وأهديت الثواب للنبيّ، فإنّه يضيف إليه أضعافًا ويرسله إلى من تريد. ففي هذا العالم وسيلة نجاتنا هو النبي، واسطة فيضنا ووصولنا إلى الكمال هو النبي، أفليس من نكران الجميل أن لا يهدي الإنسان هذا العمل المختصر الذي يريد أن يقوم به لمن وجوده ظاهرًا وباطنًا هو واسطة الفيض لجميع الخلائق من باب الشكر له؟! الأب والأم وجميع من نهدي إليهم ثواب القرآن يجلسون على مائدة النبيّ صلّى الله عليه وآله! وعندما نهدي ثواب قراءة القرآن إلى النبيّ يخلص العمل، وعندما يخلص العمل، يرتفع عوامل اطمئنانه، وعندما يزداد خلوص العمل، ولأنّ الله والنبيّ يعلمان نيّة الإنسان، فإن جنبة القربى في ذلك العمل تصبح أقوى وأشدّ.
نيّة الإنسان وصفاء باطنه هما معيار الثواب والعقاب
بناءً على ذلك، فإنّ هذه المسألة المطروحة في علم الأصول وهي: هل فعل الإنسان هو معيار الثواب والعقاب أم نيته؟ ومسألة التجرّي٣ وعدم التجرّي و... كل هذا يُنحّى جانبًا! فالفعل ليس معيارًا للثواب والعقاب أبدًا لأنّه عمل ظاهريّ. الأصل هو النيّة، وعلى الإنسان أن يصلح نيّته! فإذا ما قال إنسان: «أنا أصلح نيّتي ولكنّي لا أقوم بأيّ عمل»، فهذا هو أول فساد النيّة! فعندما تعلم أنّ الله تعالى قد أمرك بهذا العمل، فلا مجال للقول: «أنا أصلح النيّة ولكن لا أقوم بالعمل»! فإذا حدث ذلك فاعلم أنّ النيّة فاسدة ولا تتوافق مع أصل المسألة! فهل من الممكن أن يكون لدى إنسان صفاء باطن ويقف في وجه حكم الله ويقول: «أنا أصلح نيّتي ولكنّي لا أقوم بعمل»؟! حينها يقول الله له: حسنًا، سأريك النيّة وصفاء الباطن! هل تخدعني وتتكاسل وتريد الهروب من عبء المسؤوليّة؟! لقد أخطأ هذا! فمن لديه صفاء باطن ونيّة صالحة لا يمكنه أن يتمرّد ويخدع نفسه ويتنصّل من عبء المسؤوليّة! فإذا خدع نفسه، فليس لديه صفاء باطن وهو مشمول لخبث الباطن وكدورته وظلمته.
- تذكرة الأولياء، ص ٢۱۰.
- أعلام النساء المؤمنات، ج ۱، ص ۷٦۸، مع بعض الاختلاف.
- اصطلاح في علم أصول الفقه يراد به القيام بالعمل على أساس أنّه معصية فيتبيّن بعد ذلك أنّه لم يكن معصية كمن شرب سائلاً معيّنًا باعتقاد أنّه خمر فتبيّن أنّه خلّ، فبحثوا حول استحقاقه العقاب على ذلك أو عدم استحقاقه وبينهم خلاف في ذلك، والمحاضر يرى أنّه يستحقّ العقاب على نيّته لأنّها أساس العمل. (م)
