
النيّة وباطن العمل
حلم الله عن العاصين: رحمة أم استدراج؟
ما هي أصناف الناس من حيث ظاهرهم وباطنهم؟ وكيف نميّز بين المؤمن الصادق والمنافق المتظاهر بالصلاح؟ ما هو المعيار الحقيقي لقبول الأعمال؟ ومتى يكون حلم الله عن العبد سببًا في هلاكه بدلاً من نجاته؟ تُجيب هذه المحاضرة التي ألقاها العلامة السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه عن هذه الأسئلة، مستشهدة بقصص وعبر من التاريخ وسيرة أهل البيت عليهم السلام.
النيّة وباطن العمل
10عدم قبول خلافة أمير المؤمنين في حال الاحتضار وحتّى بعد الموت
كان عمر في حال الاحتضار، وبينما كان الكاتب يدوّن وصيّته، قيل له: «أنت تعلم أنّ عليًّا عليه السلام أولى بالخلافة من الجميع، فأوصِ له بهذا!» كان على وشك الموت ولكنّه قال لا أتحمّله حيًّا ولا ميّتًا۱ لا أستطيع أن أرى عليًّا على كرسيّ الخلافة لا في حال حياتي ولا في حال مماتي! لا أستطيع أن أفعل هذا! في النهاية، ماذا فعل بك أمير المؤمنين عليه السلام؟! كيف يصل إنسان إلى هذه الدرجة؟! كان عمر رجلًا يؤمن بجهنّم والجنّة! لا تتصوّروا أنه لم يكن يؤمن! لو لم يؤمن، لما كان جرمه بهذه الجسامة! كان يؤمن بجهنّم، ويؤمن بالجنّة، ولكنّه كان يقول إنّه مستعدّ أن يتقبّل نار جهنّم على نفسه ولا يرى عليًّا على كرسيّ الخلافة! هذا حقًّا عجيب جدًّا! كيف يتوافق هذا مع العقل، أن يرى النار وحرقها ولكنّه ليس مستعدًّا لرؤية أمير المؤمنين عليه السلام على كرسيّ الخلافة! لقد سمعت رواية ولم أقرأها ولكن سمعتها من موثوق فإذا وجدها الأصدقاء فليخبروني بها وهي أنّه يوم القيامة يوقفون عمر على شفير نار جهنّم ويقولون له: أقرّ بولاية عليّ لتنجو من جهنّم ولكنه لا يقرّ! بالطبع، ليس من المستبعد أن يكون الأمر كذلك. حقًّا، فما هذه النفس، وفي أيّ مرتبة من الأنانيّة يجب أن تكون حتى يكون لهيب النار أخفّ عليها من لهيب قبول الحقّ٢! فأيّ مخلوق هو هذا؟! أظنّ أنّ الله قد أظهر في خلق عمر قدرته من حيث صفاته الجلاليّة! فبقدر ما أظهر قدرته في أمير المؤمنين عليه السلام من حيث صفاته الجماليّة من الرحمة والعطف والكرم والعظمة والمجد، فإنّه في الجانب الآخر قد أبدع في خلق عمر! ففي النهاية، من يقف بجانب جهنّم ولهيبها ويقال له: أقرّ بالولاية، وهو لا يقرّ، هو مخلوق عجيب! حقًّا لا يمكن المرور على هذه القضيّة بسهولة! نجّى الله الإنسان من النفس الأمّارة! لا ينبغي لنا أن نعجب من هذه القضيّة التي بيّناها بهذه الكيفيّة! بل يجب أن نتأمّل قليلًا ونختبر أنفسنا بالنسبة لهذه المسألة. فالحقّ واضح كضرب اثنين في اثنين، ولكن من العجيب حقًّا كيف لا يفهم الإنسان هذه المسألة؟! حقًّا كيف يمكن تصوّر أنّ الإنسان يسعى بكلّ طريق ووسيلة ليلزم آخر ويقيّده بالقبول، ثمّ في النهاية لا يقبل ويقول: لا أريد هكذا؟!
- معرفة الإمام ج۸ ص ٢۰٥: ابن عبد ربّه الأندلسي، العقد الفريد، ج٣، ص ۱۸. (دار الفكر، الطبعة الأولى، ۱٤٤۰ ـ ۱٤٤۱هـ ): عن هشام بن عُروة، عن أبيه عروة قال: لمّا طعن عمر، قيل له: لو عهدتَ؟ ثمّ نقل كلاماً عن عمر، حتّى بلغ إلى ما قيل له ثانية: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! لَو عَهَدتَ. فَقَالَ: «لَقَدْ كُنْتُ أجْمَعْتُ بَعْدَ مَقَالَتِي لَكُمْ أنْ اوَلِّيَ رَجُلًا أمْرَكُمْ أرْجُو أنْ يَحْمِلَكُمْ على الحَقِّ- وَ أشَارَ إلَى عَلِيّ- ثُمَّ رَأيْتُ أنْ لَا أ تَحَمَّلَهَا حَيَّاً وَ مَيِّتَاً».
وفي «أنساب الأشراف» ج ٥، ص ۱۸ ما يقرب منه. - عقد الدّرر، الصوّاف، ص ٧٨ ـ ٨٠:
قالَ عبدُ اللَه بنُ عُمَرَ: لمّا دَنَت الوفاةُ مِن أبي، كانَ یُغمیٰ علیه تارَةً و یُفیقُ أُخرىٰ. فَلَمّا أفاقَ قال: ”یا بُنَیّ، أدرِکني بِعَلیِّ بنِ أبی طالب قَبلَ الموتِ... !“ قال عبدُ اللَه بنُ عُمَرَ: فَمَضَیتُ إلىٰ عليّ علیه السّلام و قُلتُ له: ”یا ابنَ عَمِّ رسولِ اللَه، أبي یَدعوك لِأمرٍ قد أحزَنَه!“ فقامَ عليّ علیه السّلام مَعي.
فلمّا دخلَ علیه، قالَ لَه عُمَرُ: ”یا عليّ بنَ أبی طالب، أنتُم أهلُ بیتِ الرّحمَةِ و مَعدِنُ الرّسالةِ و الحِکمةِ، و أنتُم أحَقُّ النّاسِ بِالعَفو، فهَل لك أن تَعفوَ عنّی و تَجعَلَني فی حِلٍّ عنك و عن زَوجَتك فاطمةَ الزهراءِ؟!“ فقالَ عليّ علیه السّلام: “نَعَم، اِجمَعِ المُهاجِرینَ و الأنصارَ و اصدُقِ الحقَّ الّذی كنتَ علیه مِن مكّةَ و ما كان بیني و بَینَ صاحبِك أبی بكرٍ مِن مُعاهَدَتِنا و أقِرَّ بِحَقِّنا، و أعفو عنك و [أ]جعَلُکَ فی حِلّ.“
قالَ عبدُاللَه: فلَمّا سَمِعَ عُمَرُ كلامَ عليّ علیه السّلام، حوَّلَ وَجهَه إلىٰ نحوِ الحائِطِ و قالَ: ”النّارَ و لا العارَ!“ فقامَ علیٌّ علیه السّلام و خرَجَ عنه.
فقالَ عبدُ اللَه بنُ عُمَرَ: فقُلتُ له: ”یا أبَتِ، لقَد أنصَفَك الرّجُلُ بِكلامِه!“ فقالَ: ”یا بُنَي، أرادَ واللَهِ أن یَنبُشَ أبا بَكرٍ فی قَبرِهِ و یُضرِمَ له و لِأبيك ناراً وتُصبِحَ قُرَیشُ مُوالینَ [لعلي] ابنِ أبی طالبٍ! و اللَهِ لا کانَ ذٰلك أبداً!“
ثُمّ إنّه تَأوَّهَ ساعةً و ماتَ فی أنحَسِ السّاعاتِ و صار إلىٰ سَقَرَ ﴿لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ﴾،* و دُفِنَ فی الیَومِ التّاسعِ من رَبیع الأوّلِ سنَةَ ثلاثةٍ و عِشرینَ مِن الهِجرَة.
- معرفة الإمام ج۸ ص ٢۰٥: ابن عبد ربّه الأندلسي، العقد الفريد، ج٣، ص ۱۸. (دار الفكر، الطبعة الأولى، ۱٤٤۰ ـ ۱٤٤۱هـ ): عن هشام بن عُروة، عن أبيه عروة قال: لمّا طعن عمر، قيل له: لو عهدتَ؟ ثمّ نقل كلاماً عن عمر، حتّى بلغ إلى ما قيل له ثانية: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! لَو عَهَدتَ. فَقَالَ: «لَقَدْ كُنْتُ أجْمَعْتُ بَعْدَ مَقَالَتِي لَكُمْ أنْ اوَلِّيَ رَجُلًا أمْرَكُمْ أرْجُو أنْ يَحْمِلَكُمْ على الحَقِّ- وَ أشَارَ إلَى عَلِيّ- ثُمَّ رَأيْتُ أنْ لَا أ تَحَمَّلَهَا حَيَّاً وَ مَيِّتَاً».
