
باطن العمل وظاهره
قيمة المشاركة في المجالس والزيارة
ما الفرق بين «عالم الأمر» و«عالم الخلق»؟ كيف يمكن لحالاتنا الباطنية، من إخلاصٍ أو نفاق، أن تتجلّى في مظهرنا الخارجي وحتى في أصواتنا؟ وما المعنى الحقيقي لزيارة مراقد الأئمة عليهم السلام؟ تجيب هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني، عن هذه الأسئلة كاشفةً عن حقيقة أعمالنا الباطنة والظاهرة.
باطن العمل وظاهره
8خُدعةُ الأحوالِ المعنويّة وضابطةُ الاستقامة في الطريق
لذلك كان المرحوم العلامة يقول: «لا تلتفتوا إلى الحال، بل انظروا هل طريقكم صحيحٌ أم لا!». كم مرّةٍ قال سماحته هذا الكلام؟ وأيّ واحدٍ منّا عمل به؟!
لقد شهدتُ بعض الأفراد كانوا يحضرون في مجالسه وكانوا يقعون في حالة إغماء من شدّة البكاء، ولكنّي كنتُ أرى كلّ هذا زبدًا وفقّاعاتٍ وظاهرًا! وكنتُ أرى أنّ أولئك الأفراد لم يكن لديهم باطنٌ. إذن، لأيّ شيءٍ هذا البكاء؟! كنتُ متحيّرًا ما هذا! وكما يقول المثل: «هل أصدّق ذيل الديك أم أصدّق القسم بالعبّاس عليه السلام؟!». عندما كان يتحدّث معي أحدهم، كنتُ أرى أنّه لا يُستفاد شيءٌ من كلامه، ولكن في الظاهر كنتُ أراه يُغشى عليه في الصلاة ويسقط أرضًا! ففي الأخير، توجد علاماتٌ ظاهريّة، وهذه ليست كذبًا؛ ثمّ كنتُ أرى، كلّا، كلّ هذا كان فقّاعاتٍ، وبالطبع قد لا تقتصر هذه الفقّاعات على مرتبةٍ واحدة، بل قد تكون فقّاعاتٍ حتّى في مراتب أعلى!
آدابُ إقامةِ المجالسِ والإخلاصُ في النيّة
ولكن إذا جئنا إلى هنا وقلنا: في النهاية، كان للمرحوم العلامة مجالس، وهو نفسه قال إنّه يجب أن تبقى هذه المجالس قائمة، فإذا أردنا نحن أيضًا أن نطيع أوامره، سواء هنا أو في منازلنا، فيجب علينا أن نقرأ دعاء الافتتاح. ومن جهةٍ أخرى، قال: «يجب أن يكون للرفقاء مجلسٌ في الليالي»، فهل هذا الكلام الذي قاله سماحته كان مشروطًا بزمانه هو فقط، أم أنّه يشمل الزمان الذي يليه أيضًا؟! فليأت بِضعةُ أصدقاء في ليلةٍ مِن ليالي شهرِ رمضانَ ويَجلسوا معًا، فإنْ كانَ حالُهُم يقتضي ذلك، فَلْيَجلسوا وِيقرؤوا دعاءَ الافتتاح. هذا الأمرُ صحيحٌ أيضًا، فهذا ليسَ فعلًا يصدر هكذا مِن تِلقاءِ أنفُسِنا، بل علينا أن نقوم به بتدرُّجٍ وتأنٍّ، وأن لا نفعله دفعةً واحدة، وأن نُصلح الأسس أوّلًا في أذهاننا وأنفسنا، ثمّ نقوم به، لا أن نقول فجأةً: «لا يا عزيزي، سنشكّل جلسة»!.
شرط السير الصحيح: التثبّت
انتبهوا إلى أنّ السالك كلّما أراد أن يقوم بعملٍ ما، يثبّت موطئ قدمه أولًا ـ ولا بأس إن طال الأمر ـ ثمّ يخطو. إذا لم يثبُت موطئ قدمه، فإنّه لا يخطو! ثمّ نقول: يا ربّ، الآن حيث إنَّ المرحوم العلامة ليس موجودًا، فلو كان موجودًا، لاستأذناه: هل نعقد مجلسًا في قم أم لا، وكان سيقول على الأرجح بحسب الظاهر: «اعقدوا مجلسًا»، لأنّ هذا كان دأبه ورؤيته، ونحن نريد أن نعمل وفقًا لأوامره. ولكن إذا قلنا: «يا ربّ، إن كان الأمر على غير هذا، فأرِنا أنتَ الخلاف الذي نحن عليه بطريقةٍ ما! يا رب، لا يسعنا غير هذا!» فيقول الله: «قَبِلتُ، ولكن كُن صادقًا معي بهذا المقدار: أنني لو لم أرَ المصلحة في أن تعقد جلسة، ألّا يَشُقَّ عليك ذلك، وألّا تقول: "لِمَ لا ينبغي أن نعقد جلسة؟! ماذا سيقول الناس إن لم تكن لدينا جلسة؟! إن لم نعقد جلسة فسيذهب الناس إلى بيوتهم تدريجيًّا واحدًا تلو الآخر! فلنأتِ ونجلس ونجمع هؤلاء الناس ولا ندعهم يذهبون! لنضع عند الباب جهاز تسجيل حراريّ للحضور والغياب ونسجل الحضور! يجب أن نُظهر أنفسنا ونحافظ على انسجامنا لئلا يقول الناس: إن هؤلاء قد أصابهم الوهن!"» إن ما أقوله لكم واقعي. يا عزيزي، لا توجد فائدة في هذه الجلسات، فلا تُتعِب نفسك عبثًا! بل وعدم مجيئك أفضل، لأنّ موقفك ـ على الأقل ـ لن يزداد تعقيدًا ولن يسوء أمرك أكثر من هذا! ولن تزداد تورّطًا في الوحل في مسلكك، ولن تغوص في الطين. إن لم تأتِ إلى هذه الجلسات فأنت وشأنك، ولكن إذا فعلت، فسيُضاف الثِقل إلى حِملك! وما أقوله لكم، هو قانونٌ يُطبَّق علينا نحن أيضًا؛ فالقانون واحدٌ ولا فرق، من عَمِل فقد عَمِل؛ ومن لم يعمل، فإنّ قانون الله وميزانه لا يتفاوت.ولكن إذا قلنا: «يا ربّ، هذا ما في وسعنا وما يصل إليه فكرنا، فإن كان لدينا مزاج مساعد، فإنّنا سنحضر المجالس، وإن لم يكن لدينا مزاج مساعد، فلن نحضر. دعهم يقولون: فلانٌ لا يأتي، يأتي يومًا ويغيب آخر!» بالطبع، يجب أن يكون الإنسان منظّمًا، ولكن يجب أن يكون النظم تحت القانون! فالنظم ليس في الحضور بحدّ ذاته، بل في أنّه إذا سمحت الحال، فعلى الإنسان أن لا يُقصّر. يجب أن يكون النظم مبنيًّا على أساسٍ وقانونٍ ومعيار! كان المرحوم العلامة يقول: «من لا تقتضي حاله، فلا يحضر الجلسة؛ لأنّه إن جاء أفسد حال البقيّة أيضًا». بل إنّه كان يقول صراحةً لبعض الذين كان بينهم نزاع: «انزلوا أنتم إلى القسم الأسفل من المنزل، ولا داعي لأن تشاركوا في الجلسة!» وإنَّ مَن يقصّرُ مع التفاته لهذه المطالب، فإنّه مغبون! وإذا شعر بأنَّ المجيء مفيدٌ ولم يأْتِ، فهو مغبونٌ أيضًا! كان أحدهم يقول كلامًا صحيحًا، وطبعًا بحسب نظره كان يريد تقييم المطلب بشكلٍ صحيح، كان يقول: «سيّدنا، هل مقصودكم من هذا الحديث الذي تفضّلتم به هو أن يصل كلامكم إلينا، أم أنّنا يجب أن نشارك في الجلسة حتمًا؟ فإذا كان قصدكم هو وصول الكلام، فلماذا يجب أن نشارك؟ [بما أنّنا نستطيع أن] نستمع إلى الشريط!»
