
كيف يفكّر أهل التوحيد؟
العلاقة مع الصديق والقريب
ما الفرق الجوهريّ بين نظرة أهل التوحيد للحوادث ونظرة عامّة الناس؟ ولماذا يُعتبر الانحياز لصديقٍ أو قريبٍ في أيّ خلافٍ قبل التحقيق خروجًا عن جادّة الحقّ؟ وكيف يمكننا محبّة واحترام الأولياء والأساتذة دون الوقوع في فخّ الشخصانيّة والتقديس الأعمى؟ وما هو الدرس الأعظم الذي يمكن استخلاصه من ازدياد إشراق وجه الإمام الحسين عليه السلام كلّما اشتدّت عليه المصائب يوم عاشوراء؟ مواضيع تبحثها هذه المحاضرة بدقّة وعمق.
كيف يفكّر أهل التوحيد؟
الوصف:
ما الفرق الجوهريّ بين نظرة أهل التوحيد للحوادث ونظرة عامّة الناس؟ ولماذا يُعتبر الانحياز لصديقٍ أو قريبٍ في أيّ خلافٍ قبل التحقيق خروجًا عن جادّة الحقّ؟ وكيف يمكننا محبّة واحترام الأولياء والأساتذة دون الوقوع في فخّ الشخصانيّة والتقديس الأعمى؟ وما هو الدرس الأعظم الذي يمكن استخلاصه من ازدياد إشراق وجه الإمام الحسين عليه السلام كلّما اشتدّت عليه المصائب يوم عاشوراء؟ مواضيع تبحثها هذه المحاضرة بدقّة وعمق.
كيف يفكّر أهل التوحيد؟
3دقّقوا جيّدًا فيما أريد أن أقول، والرفقاء يعلمون ذلك، ولكن لأنّ النقطة هنا دقيقة جدًّا، فمن الأفضل لفت الانتباه إليها. فنحن، كما ذكرنا سابقًا، كلّما وقعت ظاهرةٌ ما، نبحث أولاً عن عللها وعواملها الظاهريّة، ونتصارع فورًا مع الحوادث الخارجيّة، ونُقحم أنفسنا في هذه الظواهر والخصوصيّات التي وقعت في الخارج، وبعد أن ندور ونُرهق أعصابنا، ونوجّه بعض اللكمات والركلات هنا وهناك، ونتلقّى بعضها، في النهاية نقول: حسنًا، لعلّها كانت مشيئة الله. في آخر المطاف، نأتي لنقول: لعلّها كانت مشيئة الله.
أمّا أهل الله وأهل التوحيد، فإنّهم يرجعون المسألة أولاً إلى مشيئة الله، ثمّ يأتون بعد ذلك لدراسة العلل والأسباب العاديّة. وهذا يُحدث فرقًا كالفرق ما بين الأرض والسماء في نظرة الإنسان وكيفيّة تفكيره، وبالتالي في عمله الخارجيّ.
بين العاقل والجاهل: هل تفكّر قبل أن تتصرّف أم بعده؟
هناك مثلٌ يقول: «العاقل يفكّر أولاً ثمّ يتكلّم، والأحمق يتكلّم أولاً ثمّ يفكّر!».۱ طبعًا الأحمق لا يفكّر، المقصود هم الأفراد الذين يفكّرون بشكل خاطئ، فهذا الأحمق المسكين لا فكر له أصلاً. الفرق بين أهل التوحيد وسائر الأفراد يكمن في نقطةٍ واحدةٍ فقط: فأهل التوحيد لا ينكرون وجود الظواهر والحوادث الخارجيّة، أي أنّهم ليسوا عدميّين أو مثاليّين٢ في تفكيرهم، بل هم واقعيّون، ويفكّرون في أصل الواقع وتحقّقه. فهم لا يشكّون في وجود الإنسان والأرض والسماء والحيوان والأشجار وغيرها من الظواهر في الخارج. إنّما الكلام في العلاقات التي يقيمونها بين الأشياء الخارجيّة في الظواهر التي تحدث؛ فالناس العاديّون يبحثون عن هذه العلاقات في الحوادث الخارجيّة نفسها. فعلى سبيل المثال، إذا قام إنسان بعملٍ ما، فإنّ الناس يختلفون في مراتبهم في كيفيّة المواجهة وتحديد الموقف تجاه هذا العمل. فبعضهم من البداية يلتفت فقط إلى العمل نفسه، ولا يلتفت أبدًا إلى النوايا الكامنة وراءه، فيقولون فورًا: لقد فعل كذا، يا ويلتاه! هيّا بنا نضربه ونفعل كذا.
قصة طريفة: عندما اختلط الأمر على مستقبلِي المرجع!
يُنقل أنّه في الزمن السابق ـ وقد خطرت هذه القصّة على بالي الآن ـ أراد المرحوم السيّد أبو الحسن الأصفهانيّ أن يأتي من النجف إلى إيران. وكان من عادة الناس في ذلك الوقت أن يخرجوا لاستقبال المراجع والعلماء، فكان أهل كلّ مدينةٍ يخرجون لاستقبالهم واحترامهم.
- نهج البلاغة ص ،٣٢٤ الحكمتان ٤۰ و٤۱: وَقَالَ عليه السلام : «لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الأحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ». وقد روي عنه عليه السلام هذا المعنى بلفظ آخر، وهو قوله: «قَلْبُ الأحْمَقِ فِي فِيهِ، وَلِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ. ومعناهما واحد».
- العدميين اتجاه فلسفيّ يعتقد أنّه لا وجود للواقع. والمثاليّة اتجاه آخر يرى أنّ هناك واقعًا ولكنّ أفكارنا منفصلة عنه ولا تطابقه ولا تكتشفه. (م)
